فضاء حر

الدكتور منصور القاضي.. إشراقة الفكر التي لا تغيب

يمنات

أ . د/ محمد فاضل الفقيه

​حين تضيق الألقاب الأكاديمية عن إحاطة قامةٍ إنسانية وعلمية، يصبح المداد عاجزاً إلا إذا استمدّ دفأه من أواصر الروح، ونبل المسيرة. الحديث عن الدكتور منصور القاضي ليس مجرد سردٍ لسيرة ذاتية حافلة، بل هو إبحارٌ في عوالم “فقه اللغة” الذي لم يكن لديه مجرد تخصص أكاديمي، بل هوية وفلسفة حياة، يتلمس من خلالها تفاصيل العالم، ويصيغ بها وعي الأجيال. 

​لقد صاغ الدكتور منصور مسيرته المعرفية بروح باحث يمني أصيل، فكانت جامعة عمران هي المبتدأ، والمحطة الأولى التي شهدت أولى خطوات هذا العطاء المعرفي الباذخ. من قاعاتها انطلقت شرارة شغفه الأكاديمي والنقابي، وفيها غرس اللبنات الأولى لرسالته العلمية نالاً احترام طلابه وزملائه؛ ليتنقل بعد ذلك بخطى واثقة ما بين حواضر العلم من أمريكا إلى أوكرانيا. لقد عاد إلى تلك المحافل الدولية لا كخريج من أعرق جامعاتها فحسب، بل كمحاضرٍ قدير يشار إليه بالبنان، ومشرفٍ فذ يقود خطى باحثي الماجستير والدكتوراه نحو آفاق المعرفة الرصينة. ولم يقتصر هذا الحضور على الأروقة التدريسية، بل امتد ليكون رقماً صعباً ونقابياً من العيار الثقيل، يدافع عن الحقوق الأكاديمية برؤية ثاقبة. 

​في البعد الإنساني، يتجلى الدكتور منصور كحالة فريدة من السكينة والعمق الفكري. هو رجلٌ هادئ المنطق، لكنه هدوء المحيط الذي يخبئ في أعماقه لآلئ الحكمة. من خلال فكره المعمق، يستطيع مجالسوه رؤية العالم بكل تفاصيله الدقيقة؛ إذ يمتلك تلك البصيرة النافذة التي تفكك التعقيدات وتبسط الرؤى بنبلٍ أخلاقي عزّ نظيره في زمن التحولات الصاخبة. له مؤلفات علمية رصينة في فقه اللغة، لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت تشريحاً لبنية اللسان العربي وثقافته، ممتزجةً بروح العصر. 

​إن القيمة الأجمل في هذه المسيرة، هي تلك العلاقة الاستثنائية التي تتجاوز حدود القرابة البيولوجية ) لتنصهر في بوتقة الفكر والزمالة والصداقة. إنه “رفيق الدرب” الذي تتقاطع معه الرؤى، والزميل الذي يستند إليه الفكر في لحظات التجلي الأكاديمي. إنها الشراكة الروحية والعلمية التي تجعل من وجوده سنداً حقيقياً في رحلة الوعي والمعرفة سيبقى الدكتور منصور القاضي، بمؤلفاته، وتلاميذه، وإرثه النقابي والأكاديمي، منارةً يستضاء بها، ونموذجاً للمثقف العضوي الذي يجمع بين عالمية المعرفة وأصالة البدايات في جامعة عمران. 

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.