الفريق سلطان السامعي.. حين تكشف السلطة حقيقتها بنفسها

يمنات
نبيل الحسام
كلما حاولت الكتابة عن موقف وسلوك جماعة السلطة في صنعاء تجاه سلطان السامعي، يستعصي الحرف، لا عجزاً عن الوصف، وإنما لأن ما قالوه هم عن أنفسهم في حملاتهم وهجومهم الإعلامي عليه كان أبلغ من أي توصيف. فقد تكفلت لغتهم وسلوكهم بكشف حقيقتهم على نحو لم يكن أحد قادراً على كشفه بهذه الدرجة من الوضوح.
إن الهجوم الذي تعرض له الفريق سلطان السامعي لم يكشف فقط حجم البذاءة والانحطاط السياسي والأخلاقي، ولا مقدار الكذب والتزييف الذي تمارسه هذه الجماعة، بل كشف أيضاً مستوى غير مسبوق من الانحدار في مفهوم العمل السياسي ذاته، حتى بدا وكأن الجماعة وهي تهاجمه كانت تمزق بنفسها كل الشعارات التي طالما رفعتها عن الشراكة والوطنية والتعدد واحترام الرأي.
لقد كشف هذا السلوك حقيقة جوهرية، وهي أن السلطة في صنعاء لم تعد سلطة دولة أو مؤسسات، بل أصبحت سلطة الجماعة نفسها، وأن كل قرار أو ممارسة تصدر باسم الدولة ليست سوى تعبير مباشر عن إرادة الجماعة ونهجها الفكري والسياسي بما في ذلك ممارسات الفساد فهو فساد الجماعة وهي مستعدة لممارسته والدفاع عنه بذات القدر من اىجرم والابتذال من اي كان. فلا وجود فعلي لمؤسسات مستقلة، ولا لمعنى الشراكة، ولا لأي مساحة يمكن أن تسمح برأي مختلف داخل إطار السلطة. وكل من يخرج عن حدود الطاعة المطلقة يُعامل باعتباره خصماً، حتى وإن كان جزءاً من أعلى هرم السلطة نفسها.
أما مفهوم الوطن لدى هذه الجماعة، فقد ظهر أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالوطن ليس الأرض والشعب والدولة والمؤسسات والمواطنة المتساوية، وإنما الجماعة ذاتها. والجماعة هي الوطن، ومصالحها هي المصلحة الوطنية، وما عدا ذلك لا قيمة له. وحتى حين تضطر إلى استخدام مفردة “الوطن”، فإنها تستخدمها كمجرد شعار فارغ من مضمونه الحقيقي، لا يحمل أي دلالة على المعنى الإنساني والسياسي والجامع للوطن.
والحقيقة التي تكشفها التجارب دائماً أن الجماعات العقائدية المغلقة لا تستطيع التعايش مع مفهوم الوطن الحقيقي، لأنها تقوم أساساً على نقيضه. فالوطن يقوم على الشراكة والتعدد والمساواة والانتماء العام، بينما تقوم الجماعة على الاصطفاء والولاء الضيق والطاعة المطلقة. ولذلك فهي لا تنمو إلا في ظل غياب الدولة وتغييب الهوية الوطنية الجامعة، لأن حضور الوطن الحقيقي يعني بالضرورة تراجع سطوة الجماعة وانكشاف مشروعها.
إن ما جرى مع الفريق سلطان السامعي لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل كان لحظة كاشفة لطبيعة السلطة القائمة، ولطريقة تفكيرها، ولحدود قبولها بأي صوت مختلف، حتى وإن جاء من داخلها. ولهذا فإن القضية تتجاوز شخص السامعي نفسه، لتصبح دليلاً إضافياً على أزمة مشروع لا يرى في الدولة سوى واجهة، ولا في الوطن سوى اسم يُستخدم عندما تقتضي الحاجة السياسية ذلك.
واما الشراكة فهي الشراكة معها في الدفاع عن فسادها والخصم فهو من يرفض ذلك واما العدو فهو من يعلن رفضه.