العرض في الرئيسةفضاء حر

من جبهات الحدود .. ميدي وحرض والطوال (3)

يمنات

أحمد سيف حاشد

“6”

وفي “ميدي” وبمجرد وصولنا إلى الموقع الذي كان مموها ومختارا بعناية أستقبلنا المرابطون فيه بحفاوة بالغة ووجدت مسؤول الموقع يناديني: “مرحبا بالقاضي” .. ويستقبلني بحفاوة ويعانقني بحرارة ويغمرني بالمودة وبدأ كأنه يعرفني منذ عشرين عام..

خُجلت أنني لم أعرفه ولم استطع تذكره وكنت خجولا ومُحرجا وقليل الكلام .. ولكنني استشفيت أنه يعرفني من أنشطتي الحقوقية وزيارتي لسجن النصيرية في حجة قبل سنوات، كما عرفت أنه قريب صديقي “عبد الله النعمي” منسق مغامرة هذه الزيارة، والذي كان معتقلا في نفس السجن لسنوات بتهمة “الحوثية”، بل أن المحتفي نفسه قد أمضى هو الآخر فترة في هذا السجن وبنفس التهمة.

أعادني هذا الموقف في لحظة شرود إلى زحمة ذكريات ومواقف مشابهة حدثت لي قبل سنوات في إحدى زياراتي لصعدة .. شعرت إن الجميع هناك يعرفني من حرف سفيان إلى صعدة المدينة فيما أنا لم أعرف أحد..

معرفة تشعر بعمقها واحتفاء لافت بك ودفء ومودة ولقاءات عابرة تترك في النفس دهشة..

شعرت أن الجميع يعرفني ما عدا أنا لا أعرف نفسي .. وأتذكر أنني بٌحت لصديق يرافقني في زحام تلك اللقاءات، وأخبرته أنني لو ترشحت لمجلس النواب في صعدة لحققت فوزاً ساحقاً لا يشبهه إلا ما يحققه الرؤساء العرب في الانتخابات الرئاسية ولكن دون تزوير كما يفعلون.

و في موقع “ميدي” الذي نزلنا فيه أحسسنا نحن والمرابطون فيه بالألفة وأوصر من المحبة والصداقة لا يقلل من شأنها غير خجل يكسوا وجهي لأنني أشعر أنني دونهم بطولة وشجاعة وجُرأة..

كان إحساسي بهم كثيفا ودهشتي لا حدود لها وأنا أسمع مفردات الصمود والتحدي والثقة بالنفس واليقين من النصر..

لم أحسن التعبير بما أردت البوح به وعدت لا كتشف نفسي في لحظة ارتباك ووجدت نفسي متردداً وخجولاً وجل ما قلته لهم وخلاصته “أنتم وكل المرابطون بجبهة الحدود من يصنع اليوم تاريخ اليمن ومجده”.

أخرج لنا أحد المرابطين في الموقع قنبلة عنقودية من كوم يحتفظ به بعد أن تم تحريزها وتأمينها، وأطلعنا كيف نتعامل معها إن وجدنا مثلها وأفهمنا كيف يتم تأمينها.

إن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا ضد شعبنا هي وحدها تكفي لأن تجعل مقاومة هذا العدوان مشروعة وعادلة وضرورية..

استخدام الأسلحة المحرمة دوليا تحمّل هذا العدوان الوحشي والمتخلف تبعات جمة وكبيرة ومسؤولية أخلاقية وقانونية، ولهذا فأن مناهضته ومقاومته واجب من الدرجة الأولى ومُلجئ وفيه ادانه ـ بعد العلم ـ لكل من تحالف معه أو قاتل في صفه أو حرض للاصطفاف معه.

“7”

ظل طيران العدوان يحلق في سماء مدينة “ميدي” وصوته يعكر صفونا؛ فيما المرابطون في الموقع كانوا يحاولون شد انتباهنا بالحديث عن الصمود والإرادة وتحدي العدوان؛ و كل ما يرفع معنوياتنا ومحاولة التخفيف من التوجس الذي يدمدم في أعماقنا ويجوس في كتماننا باحتمال أن يكون الطيران قد رصد مكاننا واحتمال قصفنا..

و رغم هواجسنا كان حديثهم شائق وآسر يسترعي اهتمامنا ويتخلل الحديث الطرائف والضحك والمزاح وخفة الدم..

كان أكثر ما يسترعي اهتمامنا هو معنوياتهم التي وجدت وصفها يفوق الخيال..

كنت أتفرّس في وجوهم وأغوص في تفاصيل قسماتها وأستعجب من عمق هدؤها في لحظة توتر كنا نعيشها ونحاول مداراتها عنهم..

كانت تفاصيل وجوههم وملامحهم تكشف كم هو المقاتل اليمني عظيم..

ربما بدأت سمجا يضيع وقته في البحث عن تفاصيل فيما العنوان يحمل تفاصيله والقناعة بعظمة المقاتل اليمني وبـأسه تترسخ لديك من أول وهلة وأول خلسة نظر..

لمحة نظر تغرقك سبعين ذراعا في عجب يقول: كم هو المقاتل اليمني صنديداً وصبوراً وجلداً في القتال .. يقاتل حتى الرمق الأخير ويأثر الموت ألف مرة دون أن يرجو من عدوه فرجاً أو نجاة..

المثل يقول: “إنما النصر صبر ساعة” فيما المقاتل اليمني مستعد أن يجالد عدوه ويقاتله إلى يوم القيامة، ومحال عليه ألف مرة أن يستسلم أو ينكسر..

في القتال تجد بدوي الصحراء يصرخ ألما من عضة في أصبعه إن غرزت الأسنان فيها أطرافها، فيما المقاتل اليمني لا يصرخ وإن جزيت رأسه لا أصبعه.

المقاتل اليمني صنديد عنيد .. في القتال يشبه الأساطير، وفي التاريخ ملاحم من المجد والمآثر.. شجاعته لا تضارع، يسخر من الموت ويقتحمه في لمح البصر، وقدرته على الصمود والتحدي لا شبيه لها.

بعد عشر دقائق من الحديث وتبادل مشاعر المحبة والكلام سمعنا صفير صاروخ طائرة مر من فوق رؤوسنا ولم نسمع الانفجار .. أخبرونا أنه صاروخ طائرة لم ينفجر..

مسؤول الموقع يطلب من صديقنا “محمد المقالح” أن يتلي وصيته لتسجيلها فيديو ففعل رغم أنه كما أخبرنا قد ترك في بيته وصيته .. ولكن نحن عندها تأكدنا إن مجيئنا إلى “ميدي” مغامرة وعودتنا منها ستكون مغامرة مضاعفة.

حاشد في الحدود

للاشتراك في قناة يمنات على التليجرام انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى