العرض في الرئيسةفضاء حر

من أرشيف الذاكرة .. قصتي مع الأشباح (3)

يمنات

أحمد سيف حاشد

– لاحقا صارت الأشباح بالنسبة لي شيئا من الماضي .. ليس فيها ما هو واقعي .. ربما بدت لي مجرد وهم في رؤوس بعض البشر و المعتقدين بها، لا أثر لهم و لا وجود .. قناعة بدت لي راسخة و قوية، مع بقاء بعض الغموض في تفسير تلك الحادثتين التي تعرضت لهما أيام طفولتي، الثعبان الذي شاهدته على الأرض، و العجوز الشمطاء التي شاهدتها في المرآة، و مع ذلك لازلت أعتقد أن هناك تفسير علمي لهاتين الحادثتين، أو حتى توهمي لهما، يختلف تماما عمّا هو سائد في وعي الناس..

– لم أعد ذلك الطفل الذي يخاف من الأشباح و الظلام، صرت أبحث عن أولئك الأشباح، و لا أجدهم .. أضع لما أسمع من حكايات الأشباح ألف تفسير و افتراض إلا افتراض وجودهم .. و لكن حدث أمر غريب، يستحق السؤال المعرفي أو التفسير العلمي لما حدث، بعيدا عمّا هو شايع و راسخ في وعي الناس، مع التأكيد مرة أخرى أن طرحي للأمر هنا هو من قبيل السؤال المعرفي ليس إلا.

– كنت قد صرت أحمل يقينا أن لا وجود للأشباح إلا في وعي الناس، و في زيارة لأسرتي و دارنا التي في القرية أثير ما هو غامض ويلقي الحيرة و السؤال .. ففي أول يوم الزيارة، و قبل أن أنام بمعية أفراد أسرتي، سمعت وقع خطوات، و ركض، و حركة نشطة على سقف الديوان الذي ننام فيه .. تتالت تعليقات الأهل .. واحدا يقول: “ندّروا” و آخر يجيب: “وقتهم”، و ثالث يعلق: “دروا أنه بدأ موعد نومنا”، و رابع يقول: “الحين زامهم”.. كان أهل البيت قد تعودوا و تعايشوا مع هذا الوضع.

– كان اللافت و الأهم بالنسبة لي أنني ليست وحدي من يسمع ما أسمع، بل كلنا نسمع و بالتفاصيل .. أي حركة نسمعها جميعا .. ليس فينا واحد يسمع ما لا يسمعه الآخرين .. كنّا نسمع ركض أشبه بركض أطفال يلعبوا على السقف .. تلتها حركة نشطة و كأنها ذهاب و إياب لبعض الأفراد على ممشى السقف .. ثم وقع خطوات ثقيلة جدا، تبدو و كأنها لشخص ثقيل الحجم، تستطيع أن تعد خطواته و هو يمشي .. الحقيقة لم أشعر بالخوف، بل وجدتها فرصة مهمة لاستكشاف الأمر، و معرفة السبب..

– سألت شقيقي من متى يحدث هذا الأمر الغريب..؟! فأجاب: له أكثر من شهر..! يتكرر بشكل يومي .. ما ان نهم بالنوم حتى نسمع هذه الاصوات، احترت كثيرا و لجأت إلى عدة حيل لمعرفة السر و حدوث هذا الأمر الغريب .. استشرت عدة اشخاص ممن اثق في رأيهم و لم تكن اجابة أي منهم مقنعة و مفيدة..

– و يضيف: لجأت لشخص يدعى بـ”السيد” لكن ما قاله لم يكن مقنعا .. لجأت الى عدة اساليب و حيل عملية للتأكد من الأمر .. ذررت رماد على السقف لعلي اجد اثر لقدم او ما شابه، و لكن دون جدوى .. حاولت أن أضع صاعق قنبلة و خيط يمكنه أن ينفجر بمرور أي جسم، و لكن لم اصل الى نتيجة .. عندما أنزل من السقف للنوم، و ما ان اغلق باب الديوان لننام نسمع ما تسمعه الآن .. أذهب لأستطلع الامر و لا اجد شيئا .. افتش كل الأمكنة في الدار لم أجد أي أثر..

– و بعد شرحه لما فعله، زاد شغف فضولي المعرفي المتحفز .. وجدت من المهم أن اعتمد على تجربتي و حواسي و محاولة استكشاف الأمر بنفسي .. حملت بندقيتي، و عمّرتها، و صارت جاهزة لإطلاق الرصاص، و وضعت يدي على الزناد، و تسللت إلى السقف و مكثت مدة أرقب الأمر..

– لم أر شيئا، و لم أسمع شيئا غير طبيعيا، بل كان السكون والصمت يلف المكان .. السكون يسود و يطغى .. أعود إلى الديوان أسمع كل شيء مما ذكرته سابقا .. أعود مرة ثانية إلى السقف لا أسمع شيئا، فيما أسرتي التي في الديوان يرقبون الأمر معي من مكانهم، و لم تنقطع الأصوات التي في السقف عنهم..

– أضيء الكشاف “التريك” .. أفتش السقف، و كل ما له صلة فيه أو لصيقا به، لم أجد شيئا، و لم أسمع شيئا أكثر من حركتي .. أنزل لتوي إلى الديوان اسمع ما يسمعه الجميع .. حيرة بلغت حد أغرقتني في الذهول..

– أعود إلى السقف بتحدي و حب معرفة و استطلاع و عناد .. أمكث بعض الوقت حد الملل و السأم و لم ألحظ أي شيء .. أفتش كل شيء في الدار و لا أجد و لا أسمع شيئا .. كيف أكون بالسقف و لا أسمع شيئا، فيما لا تنقطع الأصوات عمّن هم في الديوان..؟!

– أعيتني الحيلة و أعجزتني الوسيلة لاكتشف شيئا .. كنت شغوف لأعرف شيئا يفسر الأمر .. كانت دوافعي معرفية أكثر من أي شيئا آخر .. لم أنس فرضية إلا و وضعتها .. لم أترك احتمال إلا و اختبرته .. أريد أن أعرف السبب لأبدد حيرة استولت على تفكيري، و بدلا من إزالتها، كبرت حيرتي و استغرقني الذهول..

– لاذ أحد أقربائي إلى الطلسمة و التعاويذ، أشتد الأمر يومين، ثم زال و أنتهى .. و بقي الغموض، و لم أجد تفسير علمي أو نتيجة .. ظل هذا الغموض إلى اليوم، و بقيت الأسئلة بالنسبة لي دون جواب..!! لم أجد منطق يسندني أو تفسير مقنع إلى اليوم .. و بقي السؤال الرئيس بالنسبة لي دون جواب..

 

صورة الدار المكسي طابقه الأول بالإسمنت هو دارنا والديوان الذي أتحدث عنه وكانت تنام فيه أسرتي في فصل الشتاء هو الذي فيه نافذتين ومفرج..

يتبع..

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى