أدب وفن

الشعر يرصد ملامح واقع بائس ومعاناة لا تنتهي

المستقلة خاص ليمنات

قلت اسكتي أنا تعبت هدرة

عمري زلج بين الحراج والأجرة

ما فيش عمل وأنتي معك قم اخرج

النوم أخرج لي والبيت سترة

تكفي الكدم مع بصل وبسباس

على البلاط ترقد ولو هو غدره

تلك هي مئات الآلاف من العاطلين، الذين تورمت أقدامهم من كثرة التسكع في الأرصفة والشوارع بحثاً عن فرصة عمل بعيدة المنال.. لقطة واحدة من ألبوم يفيض بالمآسي والآلام، التقطها شاعر شعبي بلمسات إبداعية وكأنه مخرج سينمائي ينفذ مشهداً درامياً طافحاً بالمعاناة والأحزان.. تعاقبت الفترات الزمنية، وتغيرت الحكومات والأنظمة، وظلت المعاناة قائمة، توزع ملامحها بين بطالة متفشية وفقر مدقع وجوع مؤلم، وجهل ومرض وتخلف وغلاء مهور أمام الشباب وغياب تكافؤ المعايير الوظيفية.. خلقت جميعها واقعاً مثيراً للرثاء..

يلتقط شاعر آخر أبرز المتغيرات في حياة الناس لكنه يكتشف أن غالبية هذه المتغيرات سلبية، تسير من سيء إلى أسوأ في ظل اختلالات المجالات المعيشية والإنسانية، فلا يملك إلا أن يردد متأوهاً من وطأة ما يحدث:

في كل يوم و الغلا يزداد عن حده

تُهدى الجرع كالمطر لكن بدون رعود

والعاطلين ينزحوا لا كل لوكندة

والسلب والنهب في كل عام يزيد

ما حققوا للمواطن وعد من وعده

لا زال وعده على ظهر الورق مرصود

وفي بؤرة هذا الواقع المثقل بظروفه القاسية ومعيشته المتدهورة، التي يكتوي بنارها الناس البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة، ينقل لنا الشاعر حسين سليمان، بلهجة تهامية معروفة مشهداً حافلاً بالتناقض لإنسان أو مواطن بسيط هدت أركانه الظروف البائسة فيقول:

ما فيش ضمير وا عبده

عجوز شوف كيف يحكل

ما فيش حكومة تفهم

أن امزخيم ما يأكل

شيَّب وطأطأ رأسه

يعشي وجسمه يثقل

ما تين عصافير قلبه

يأكل قليل ويسعل

ودَّر بلاده هِربة  ..   مقتول وعينه تهمل

هكذا يجعل الفقر الإنسان جائعاً، ويحوله الجوع إلى مريض لا يأبه به أحد بعيداً عن الاهتمام والرعاية مما أوقعه ذلك بين مخالب المرض والعلل. أما الشباب فقد جعلهم الواقع المتردي الذي يعيشونه أشبه بالأشباح، يتعثرون إن حاولوا كسر حاجز الإقامة الجبرية التي فرضها خلو الجيب من المال.. وهو ما يشير إليه أحد الشعراء بقوله:

اليوم شباب السعيدة

صاروا بحالة تعيسة

من ضيق هذي الحياة

صارت عليهم حويصة

ليش الحكومة ترى

هذا الخلل ما تقيسه

ورغم الصبر والتحمل ومغالبة المواجع، لا تأتي الأيام بجدية، لا يلوح الأمل على الأفق المغطى بسحب اليأس والإحباط، تزداد الرؤية ضعفاً وتعتيماً، وكلما حلت مشكلة ظهرت مشكلة أخرى أكثر تعقيداً.. وفي هذا السياق يبدي شاعر تهامي تعجبه واستغرابه من هذه الرتابة وهذا التكرار المستمر للألم فيقول:

من أمزمن ذا يعذب كيانه

لا راحة لا ولا حتى نومه

لمه امزمن ذا مكانه مكانه

“باك” اموفا فيه “وباكن” علومه

كم قلت شتأنى وما عاد شلومه

وكلما اتأنيت زاد أم معاناه

لقد أصبحت الهموم المعيشية تبدو للبعض وكأنها طابور طويل من المآسي التي لاتنتهي، لذا لم يجد أحد الشعراء من رسم لوحة فنية ساخرة لطابور الهموم الطويل قائلاً:

البارحة أمست همومي طوابير

جاءت تقدم لي عتاب وملامة

جاني العتاب يحمل معه ألف تقرير

والحزن وسط القلب يبني خيامه

جاني الحزن فجأة بقوة وتعزيز

جاء بالونين يعلن بداية خصامه

مسكين ما فاده مسكِّن وتخدير

أمسى يئن ما ذاق لذة منامه

هذه السخرية اللاذعة في تناول الواقع بهمومه ومشاكله له أثر كبير في نفوس متلقيه، فهو يوحي لسامعه وقارئه أنه ليس في الهم وحده، فالجميع في هموم ومشاكل لأن الكل يقطنون وطناً حزيناً وطناً مخنوقاً بالفساد ويستبد به العسكر ويديره مشائخ القبيلة العابثون، القبيلة التي فرضت ثقافتها وأعاقت كل أحلام التنمية والتحضر.. وهنا تستمر سخرية الشعر، لكن المؤشر يتجه هنا نحو القبيلة:

سلام بسم القبيلة المرجعية

مصرحة للفين عام

يا من لكم قوة وهيبة واقعية

وكلمة واحترام

نظامكم يشبه نظام المدفعية

(تمام) معناها تمام

قوة عظيمة قادرة تصنع رعية

من الزمرد والرخام

يا بيت (مطلع) لك مكانة واولوية

من عهد راهولي وسام

غالبية الناس البسطاء يجدون أنفسهم غير قادرين على مكابدة المشقة، ومواجهة تعقيدات الواقع ومشاكله وبلسانهم يعبر أحد الشعراء قائلاً:

أريد الدنيا تصفو لي

وأعيش بدنيتي مرتاح

تجاهلت التعب مرات

ومرات التعب ذباح

لقد أصبح الناس منهمكين في العملية اليومية المتكررة بحثاً عن لقمة العيش، جرياً وراء ما يسد رمقهم ويطفئ لفحة الجوع التي تلذع بطون أطفالهم، فتخلى الكثيرون عن مشاريع وطموحات وأحلام الصبا والشباب باحثين عن اللقمة المقدسة:

سباق العيش واللقمة

أعمت فجرنا المشرق

وخلَّت كل من غنَّى

على ليلى بلا سواق

عجيبٌ والعجب يا ناس

صارت بعضها إقلاق

وتندي الهم والكربة

ومنها صدرنا قد ضاق

هذا هو حال اليمن

أصبح وضعه ما ينطاق

لقد انعكس حال التردي للأوضاع المعيشية والمالية وشيوع البطالة على كافة المجالات الأخرى وخصوصاً الجانب الاجتماعي، فبرزت الكثير من المشاكل الاجتماعية والزوجية، وفرضت على أولياء الأمور رفع مهور بناتهم لمواجهة الأعباء المالية التي على كاهلهم، لكنهم تسببوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون بالقضاء على مستقبل الشباب والفتيات، حطموا أحلام بناتهم، وحكموا عليهن بالبقاء دون زواج، والسبب الوضع المعيشي والاقتصادي، الذي جعل المال هو مطلب الأب الأول.. يقول أحد الشعراء باسم فتاة عانس:

آسف عليك واشبابي..وا حسرتي والغليبة

واقهر قلبي وغبني .. أبي لمن اشتكي به

أبي يعامل بناته .. مثل امغنم بامزريبة

المال هو كل همه .. يملا حزامه وجيبه

ولا تهمه حياتي .. سعيدة وإلا تعيبة

على خلاف هذه الحالات التي كانت أقرب إلى الاستسلام لظروف الواقع والخضوع لأحكامه ومقتضياته، هناك من حاول الظهور بمظهر الكفؤ لهذه الآلام والمتاعب، من أجل أن يراه الجميع قوياً مكابداً للمشقة وصامداً في وجه أعاصير الفقر والجوع والمرض والبطالة والفساد.. الخ، فيغرد خارج السرب:

فقري معَنف وراسي في السما مرفوع

ما غير لله رب الكون وطيته

عايش بعزة برغم الفقر رغم الجوع

شامخ شموخ الإباء (والجوع شليته)

لقد أملت الظروف التي افرزها الواقع المتردي في حياة اليمنيين ثقافة جديدة، لها طابع خاص، تحدده معايير ومتغيرات الازمات المتعاقبة التي تمر بها البلاد، وتلقي بظلالها وثقلها على كاهل المواطن البسيط الذي حينما يعجز عن المقاومة والصمود، يلوذ إلى الشعر والأدب والفن، إما شاكياً أو منتقداً أو ساخراً لاذعاً.. ليظل الشعر الشعبي اليمني زاخراً بكل جديد مستمداً عناصره من أصالة التراث التي أخرجت لنا أدباً رائعاً قيمةً وتأثيراً.

قصيدة ساخرة عن الأسعار تحاكي قصيدة الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي “ من أين أتيت “

جئتُ لا أعلم للسوق ، ولكنيأتيت

ولقد أبصرت قدامي خيارا فاشتريت

فإذا بالسعر كالنار لهيبافاكتويت

كيف جئتُ .. كيف ضيعتُ فلوسي

لستُ أدري

* * *

أجديدٌ أم قديمٌ أنا في سوق الخضارْ

كم ترىأعلك خساً ورويداً وصبارْ

بينما الشلغم والفندال حكراً للكبارْ

أتمنى أننيأدري ، ولكن …………

لستُ أدري

* * *

ومعاشي مامعاشي ؟ أقليل أم كثير ؟

هل أنا أسعد أم أشقى به مثل الأجيرْ ؟

أأنا السائرللمالِ ، أم المال يسير ؟

أم كلانا واقفٌ ، والدَّينُ يجري …….

لستُ أدري

* * *

قد سألتُ اللحم يوماً هل أنا يا لحم منكا؟

هل ترى أصلح للأكل إذا سُوِّيْتُ تِكا ؟!

أم ترى لحمي قاسٍ أعجفٍ يصعب علكا

ضحكَ القصابُ مني … وهو يعني …..

لستُ أدري

* * *

أيها اللحمُ أتدري كم مشى البق إليكا ؟

وهل “ الذُّبانُ “ يدري أنه جاثٍ لديكا ؟

وهل الأمراض تدري أنها منكَ إليكا ؟

ماالذي الأغنام قالت حين ثاغت ……

لستُ أدري

* * *

أنت يا لحم عجيبٌ .. آه ما أعظم أمركْ

أنت مثلي أيها الجاموس لا تعرفُ سركْ

أشبهت حالك حالي وحكى نحري نحرك

فمتى أنجومن النحر … وتنجو … !!

لستُ أدري

* * *

أيها التاجرقل لي : هل أنا مثلك أحيا ؟

قد أكلتَ اللحم مني .. وتركت العظم ليا

هل أنامثلك شيءٌ .. أم تراني لست شيا

أم ترى الخالق أوصاكَ بنحري ..

لستُ أدري

* * *

أنا يا تاجر خلقٌ .. مثلما ربك ربي ..

لي نفسٌ تتشهى … وأحاسيسٌ بقلبي …

ليَ أطفالٌ صغارٌ .. أرتجيهم وأُربِّي !!

فلماذا أنت تلهو بمصيري ………..

لستُ أدري

* * *

يا وزير السوق إنا قد تجرعنا المرارةْ

فهل القانون يرضى ذبحنا باسم التجارة

هل ترى مثلك مثلي قد تكبدت الخسارة

أم ترىأنتَ غشيمٌ لستَ تدري ……….

لستُ أدري

* * *

زر الذهاب إلى الأعلى