العرض في الرئيسةفضاء حر

وحيدا كالسيف (3)

يمنات

عبد الكريم الرازحي

و هو في السجن كان سيف عبد الواحد يحلم أثناء النوم أنه خارج السجن و يحلم في نومه و هو خارج السجن انه في السجن.

كانت الكوابيس تهاجمه و هو نائم مثل كلاب مسعورة..

كان السجن في عهد حكم العسكر مجلس القيادة – برئاسة ابراهيم الحمدي قد تحول من مبنى في الخارج إلى شعور في الداخل، و كان جهاز الأمن الذي كان الحمدي مسؤولا عنه في عهد الارياني قد أنتقل بعد الانقلاب نقلة نوعية و قفز قفزة ثورية واحتل “دار البشائر” كعنوان من عناوين الثورة بعد أن طرد طلاب القسم الداخلي، و جعل منه معتقلا بشعا..

و أدخل اليه مكائن التعذيب و معذبين أخذوا دورات في تعذيب الانسان و اذلاله و انتهاك كرامته.

و بتهمة الحزبية راح الجهاز يعتقل و يعذب و يسحل و يحاسب و يعاقب و يحبس كل من اصطف مع الثورة و لديه نفَس ثوري و صوت صادق و حر.

و كان أن طالت موجات الاعتقالات الخريجين و المثقفين و طلاب المدارس و الجامعة و كل صاحب رأي و أصبحت السجون تعج بالمعتقلين من كل المناطق و من كل القبائل و من كل الأحزاب بإستثناء الناصريين..

كانت موجات الاعتقالات تتابع و تتلاحق و تلاحق بعضها بعضا مثلها مثل موج البحر عندما يكون في حالة هيجان.

كان سيف عبد الواحد قد اعتقل في عهد القاضي الارياني، لكن السجن في عهد الارياني لم يكن بتلك البشاعة، و بتلك الوحشية و لم يكن التعذيب بالكهرباء و بغير الكهرباء قد أصبح متاحا و مباحا..

في عهد القاضي كانوا اذا اعتقلوا معزة يضج الشارع و تضج الأحزاب و ترتفع أصوات داخل و خارج مجلس النواب و في مجالس القات و تنتقل بالعدوى أصوات الاحتجاجات إلى كل مجلس و كل ديوان.

و تجد الكل يتضامن مع المعزة و يطالب بسرعة إطلاق سراحها و لم يكن بمقدور جهاز الأمن أن يمنع عنها الزيارات أو يعترض على من يصل لزيارتها حتى لو لم يكن من أقاربها..

أما لو تناهى الى الاسماع خارج المعتقل بأن المعزة تعرضت للوخز بشوكة أو بابرة فإن الاحتجاجات تتعاظم و تجد المعزة نفسها أكثر شهرة من عنزة المهاتما غاندي.

و كانت المعزة تخرج من الحبس و هي مزهو بنفسها معتقدة بأنها تيس و يخرج الخروف و هو معتقد بأنه أسد..

أما في عهد ابراهيم الحمدي فكانوا اذا حبسوا تيسا خرج من الحبس على هيئة معزة و اذا اعتقلوا أسدا خرج من المعتقل و هو بهيئة خروف من غير أسنان.

و كان العاقل يخرج مجنونا و السليم يخرج معاقا و الحي يخرج ميتا..

كان جهاز الأمن يعتقل و يعذب و يسحل و يطلق كلابه المسعورة في الشوراع و المقاهي و المقايل و لم يكن ثمة صوت يرتفع أو يحتج و لا أحد يجرؤ أن يرفع صوته تضامنا مع معتقل أو سجين..

كان الرعب قد تفشى مثل الطاعون و مثل أي وباء و الكل خائف لا أحد يسأل لا احد يتضامن .. الأخ ينكر اخاه و الصديق ينكر صديقه و كانت الأم تخاف أن تسأل عن ابنها المعتقل و الأب من خوفه ينكر ان الابن المعتقل هو ابنه.

و إن هو شعر بالتضامن مع ابنه يخاف يظهر تضامنه و يخاف يزوره في السجن و ان هو ذهب لزيارته لا يسمحون له. و حتى الاحزاب نفسها تركت اعضاءها في مهب القمع و في مهب الريح، و كان أصحاب الرأي الذين لم تتمكن أجهزة الأمن من اعتقالهم إما هاربين أو مختفين..

و مما جعل الحمدي يقمع كل هذا القمع و يبطش كل هذا البطش، هو أنه كان زعيما محبوبا يستمد سلطته من الشارع و من حب الناس له. كان الشارع معه و الجيش و الأمن معه و الكلاب معه و معه الناصريين، و كان خطيبا مفوّها يعرف كيف يخاطب الجماهير و يدغدغ عواطفها، ثم ان جهازه الامني كان قد مهد له قبل انقلابه العسكري بأعوام. كانت السلطة قد تجمعت في يده و أصبحت في قبضته و كان هو الحاكم من قبل أن يحكم، حتى أن الجلاد “محمد خميس” رئيس جهاز الامن الوطني كان يرفض أوامر القاضي الارياني في السنوات الاخيرة من حكمه باطلاق هذا المعتقل أو ذاك، و كان يرد على الشحص الذي احضر اليه امرا من الارياني باطلاق سراح ابنه أو قريبه بأنه يريد امرا من الحمدي.

و كان الحمدي رحمة الله عليه يحب يحبس و لا يحب يطلق كان يعد سجونه و يعد محابيسه مثله مثل أي بخيل يعد نقوده و يتمنى ان تزيد و تتضاعف.

كان مشروع ديكتاتور عظيم و كان معجبا بنفسه و مزهوا بشخصه مثل أي ديكتاتور..

كان مدمن خطابات يخطب يوميا و من اعجابه بخطاباته كان يختلق المناسبات ليخطب فيها و كانت الجماهير تصفق له بحماس و كان من حقها أن تصفق.

لقد تمكن في فترة قصيرة ان يصبح الها صغيرا و زعيما محبوبا و ان يقمع كل صوت معارض حتى انه في عهده سكتت كل الاصوات و سكنت و تلاشت و لم يكن الواحد يسمع طوال فترة حكمه أي صوت باستثناء صوته في التلفزيون و باستثناء اصوات و صرخات المعتقلين في المعتقلات و اقبية التعذيب.

بعد خروجه من السجن شاهد سيف عبد الواحد الرئيس ابراهيم الحمدي في شارع جمال عبد الناصر و شعر بالفرح و هو يراه ابدا لم يشعر بالكراهية تجاهه

و حتى محمد خميس رئيس جهاز الامن الذي حقق معه بنفسه و عذبه و اشرف على تعذيبه و رفض منحه شهادة سيرة و سلوك لم يشعر نحوه بالكراهية و لا نحو اولئك الجلادين المساعدين له.

ابدا لم يشعر بالكراهية تجاه احد و لكنه كان يشعر بالخوف و كان الخوف من الناصريين قد جعله يخاف من الجامعة.

و يفكر في عدم مواصلة الدراسة..

للمزيد

وحيدا كالسيف (1)

وحيدا كالسيف (2)

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى