العرض في الرئيسةفضاء حر

ارشيف الذاكرة .. قسوة وطفولة بطعم التمرد

يمنات

أحمد سيف حاشد

كان الحمل ثقيلا .. كنت أقوم بما لا يقوم به أقراني من الأطفال الذكور .. لطالما كنست الدار، و نظفت كل ملاحقه و مرافقه، و رعيت الغنم، و حملت على رأسي روث البقر .. ساعدتُ أمي فيما لا تقوى عليه خصوصا عند الحمل و الولادة .. و بسبب الكنس و الدخان، و تجريب الشقاوة، أنقطع النَفَس، و أصبتُ بالربو، و كدت أفارق الحياة مرتين.

 في الصف الخامس و السادس كنت أقطع كل يوم أكثر من عشرة كيلومترات حتى أصل إلى المدرسة و عشرة مثلها عند الإياب .. كما عشتُ لاحقا و أنا أدرس في القسم الداخلي، معاناة الجوع و العوز و سوء التغذية..

 لازلت أذكر قسوة والدي في مرحلة من حياته، و التي تجاوزت الضرب إلى التعليق و الطعن و الشروع بإطلاق الرصاص.. 

 تمردت على أبي، و سلطته المفرطة .. قاومت أكثر من ظلم أثقل كاهلي .. كنت أشعر أن الظلم العنيف يفترسني و يهرس عظامي .. رأيت الموت أكثر من مرة، و تحديت الأقدار، و ثرت في وجهها بألف سؤال .. فكرت باقتحام الموت و استيفاء الأجل، و لم أعب بجهنم و بأقوال أمي إن المنتحر يذهب إلى النار.

رفضت الانتقام، و بلغ شعوري بالظلم حد أرى فيه الحياة و الموت سيان .. حاولت الانتحار احتجاجا على واقع مُر، و كرامة بدت لي مهدرة، غير أن العدول عن هذه الحماقة كان فيه انتصار للحياة و الحب و الإنسان.

 كان لدى أبي سياسة خاطئة في التربية، تختلف عمّا هي موجودة لدى الناس، أو متعارف عليها بينهم .. كانت سياسته تستند إلى الشدة و القسوة و العنف، بل و أعتبرها مجرّبة و نتائجها أكيدة، و غير قابلة للنقاش أو الملاحظة، فضلا عن إعادة النظر، و لاسيما إنه طبق بعض منها على أخي “علي”، و كانت النتيجة كما راءها قد أتت على ما أراد و أشتهى، فتشرف به، و اعتز باسمه و بأنه ابنه..

كان أبي يضربني كثيرا .. ضرب يومي لا عد له و لا حصر .. ضرب يومي يبدأ مع الفجر و لا ينتهي في العاشرة من الليالي الداجنات .. أن يتم ضربي كثيرا بات أمرا طبيعيا و لا يثير عجب أو سؤال .. و لكن غير الطبيعي أن يضربني أقل من ثلاث مرات في يومه الواحد .. إن حدث مثل هذا فهو بالنسبة لي يوم مائز و مختلف .. لو حصل و ضربني أقل من ثلاث مرات، فيعني لي إنه يوم عيد، لربما لا يعاد إلا في العام الذي يليه .. يوم كهذا يستحق مني الاحتفال.

كان هذا الضرب يحدث غالبا أمام مشهد من الناس، و كنت أشعر أن الأعين حتى المشفقة منها تأكلني .. كان الصبية من أقراني يعودون إلى بيوتهم فيحكون لأهلهم ما صار لي و ما جرى من أبي .. كنت حديثهم اليومي الذي يقتاتون عليه، أو هذا ما أخاله .. كنت أشعر أن الإهانة تسحق عظامي .. كنت أبلع غصصي كأنني أبلع ساطور قصاب.

 و لَّدَت هذه التجربة بداخلي خبرة في اختبار و مغالبة القهر، و حساسية شديدة في استبطان أوجاع المقهورين، ألّفت – بمعية تراكمات أخرى – قيمة إيجابية وعيت لها لاحقاً، و هي الانتصار للمقموعين و التصدي لكل ما ينتجه الظلم و القسوة و عطب الروح، و الدفاع عن الضحايا و لو كلفني هذا حياتي مرتين، أو هذا ما أخاله و أظنه..

 يتبع

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق