العرض في الرئيسةفضاء حر

ارشيف الذاكرة .. الفشل في ثلاث مواد

يمنات

أحمد سيف حاشد

انتقلت إلى مدرسة “شعب” للدراسة، و كان علي أن أقطع كل يوم دراسي مسافة أكثر من عشرة كيلو مترات في الذهاب و مثلها في الإياب .. كان يتوجب عليّ أن اقوم قبل الفجر، و أسافر كل يوم دراسي مشيا على الاقدام حتى أصل إلى المدرسة، و في الإياب أيضا كان سفري مضني و جهيد .. مشقة يومية ثقيلة تأتي على حساب الاجتهاد و المثابرة و النتيجة العامة .. كان الانهاك اليومي يفتك بي، و ينال ما قدر عليه من الجسد و الروح و الذاكرة..

كانت أظافر أصابع قدماي دائما ما تشكو من ارتطامها بالحجارة كل غبش و صباح أسافر فيه .. و يتكرر الحال ظهرا و بعد الظهر عند الإياب و أنا أجر قدماي المثقلة بالإرهاق الشديد و التعب المنهك للروح و الجسد..

في بعض الأحيان كان الارتطام بالحجارة يؤدي إلى أن يسيل الدم من مقدمة الأصابع و تحت الأظافر و منابتها و احرافها، و أحيانا أنكي الذي يحاول التماثل للشفاء، و أخرى يؤدي إلى خلع الأظافر بسبب قوة أو كثرة الاصطدام .. كنت أشعر بدوامة من العذاب و الألم كل يوم أسافر فيه للدراسة، و أحيانا أتمرد و لا أصل إلى المدرسة، و أخرى أغادر فيها المدرسة قبل انتهاء الدوام بحصة أو حصتين..

كنت أشعر أن المسافة إلى المدرسة تطول، و استراحات الطريق ألتذ بها و أنا مرهق حد الإعياء .. كنت أحس أن المشقة أكثر مما يحتملها جسدي المنهك و روحي المتعبة .. هذه المعاناة كانت تجعلني أشعر أن الأحجار هي من صارت تتربص بي، لا أنا من يصطدم بها .. كنت أتجنبها قدر المستطاع، و كانت هي تنال مني ما تستطيع، و تخلِّف لي كثيرا من الألم و الوجع .. لازالت أظافر الاصبعين الكبيرتين في القدمين مشوهة إلى اليوم بسبب كثرة ارتطامها بالحجارة..

كنت أتمرد بعض الأيام على المدرسة، فلا أصل إليها .. و بعض الأحيان يبدي أحد أقراني بمقترح ما نسميه “الهفسنة” أو “نهفسن” و نعني به عدم الذهاب إلى المدرسة، ثم نؤيده، و لا نصل إلى المدرسة .. كنا نصل إلى رأس شعب، و بعض الأيام إلى العيادة الصحية في منطقة شعب، ثم نعود على مهل حتى ينقضي الوقت، و نعود إلى أهلنا في الوقت المعتاد لعودتنا، و في أيام قليلة كنّا لا نتعدى “طرف الصحبي” و لكن نفعل هذا باختباء و حذر خشية من انكشاف أمرنا لأهلنا..

 كنّا أحيانا نشتري سجائر مأرب و سبأ و يمن من دكان محمد سيف الكائن قرب سوق الخميس، و كانت تلك السجائر رخيصة و رديئة في نفس الوقت، ثم نتخذ محطات بعيدة في الطريق الطويل، و نشرب السجائر خفية .. كنا “نمورب” و نتمرد على الأهل و المدرسة، و نتعلم أيضا نوعا من “الصياعة” سرا من أهلنا و ذوينا..

كانت مادة الإنجليزي دوما هي المادة الأخيرة في جدول الحصص الأسبوعية .. كان المدرس المُكلف بتدريسها طيباً للغاية، و في نفس الوقت مجيدا لمادته و متمكنا من تدريسها، و لكن ابتعاد المدرسة عن البيت بأكثر من عشرة كيلومترات كان سبباً يحملنا في معظم الأحيان على العودة دون حضور الحصة الأخيرة، و هي حصة الانجليزي .. و أحيانا نعود من الطريق، و لا نصل إلى المدرسة بعد أن يشتد بنا التعب، أو نتشوق للراحة و نتمرد على الأهل و المدرسة..

هذا الانهاك اليومي المصحوب بالتمرد أدَّى إلى فشلي بثلاث مواد دراسية نهاية العام كان من بينها اللغة الإنجليزية، و هو أمر غير مسبوق في دراستي السابقة، و لأن الفشل بثلاث مواد أو أقل منها يمنح النظام المدرسي للطالب فرصة إعادة امتحانها، تم إعادتي لامتحانات تلك المواد في الفرصة المتاحة نهاية العام، و تمكنت من النجاح بصعوبة، و ما كنت لأنجح لولا الرجل الطيب الحاج محمود و هو من أبناء شعب الأوسط..

كان في منطقة شعب أصدقاء للوالد هم الحاج محمود حسن و إخوانه علي حسن و صالح حسن .. كانوا ثلاثة إخوان يعيشون في منزل واحد، و معهم أكثر من ثلاثين نسمة .. كانوا مثال للأخوة و الطيبة و المودة .. كانوا في منتهى الانسجام و التسامح، و قلوبهم أبيض من بياض السحاب..

كنت أدرس مع بعض أبنائهم في نفس المدرسة .. أذكر أنني قضيت مقيما لديهم شهر أو شهرين بعد إلحاح شديد من قبل الإخوان الثلاثة على والدي بأن أقيم لديهم و أجتاز الامتحان نهاية العام..

كانوا يشفقون على تعب أعيشه كل يوم .. كنت أقطع كل يوم مسافة الذهاب و الإياب التي تستنزف روحي المتعبة و جسدي المنهك .. و لولا الحاج محمود و إخوانه لما تجاوزت العام الدراسي و فشلت في كل المواد..

يا الله كم هؤلاء الناس طيبين .. بعد أن قُتل أخي علي و تشرد والدي، أقام الوالد عندهم سنوات في دكانهم الذي كان يحاذي الطريق .. احتضنوه خلالها دون أن يجرحوه يوما أو يتململوا من ضيف أطال الإقامة، بل كانوا يفيضون طبية و مودة تكفي لأن تملى هذه الدنيا و تزيد .. ما أطيبهم يا الله .. لقد صنعوا لنا من الجميل و المعروف ما ندان لهم كل العمر أبناء و أحفاد..

***

يتبع..

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى