العرض في الرئيسةفضاء حر

ارشيف الذاكرة .. استبدال الدولة بالقبيلة (4)

يمنات

أحمد سيف حاشد

تغنوا بالقبيلة و صيروها محاطب تأكلها الحروب الصغيرة والكبيرة.. محارق شرهة تشتعل ولا تخمد ولا تشبع، ويحصد مشايخ وسادة القوم أرصدة الدم مالا ومناصبا ومكاسبا، وحصاد النزيف الطويل والواقع المُر.. بات المثل “الحجر من القاع والدم من رأس القبيلي” حاضرا بقوة دون أن يقولون له هذا، ولكن واقع الحال خير ترجمان..

حروب مقدسة في حضرة الموت، يخسر فيها المواطن الوطن أو بالأحرى ما بقي له منه، ويمضي شباب بعمر الزهور إلى حتفهم، ويمضي الانتحار حتى النفس الأخير.. حروب تجهم وتتجهم مثل جهنم، وهي تقول “هل من مزيد؟!”.. ويعلو صوت تلك المرأة التي تقول على لسان جبران: “كيف لا تكون الحرب مقدسة و قد مات ابني فيها”.

كيف للقبيلة أن تتحرر من وهمها المسقي بالدم والدموع، ولكم هي الصعوبة أن نخوض في المقدس، وأن يتحرر السذج كما قال فولتير من الاغلال التي يبجلونها.. لاسيما في واقعنا المر، وفي ظل غياب النخبة المحترمة التي بإمكانها أن تشعر وتحس وتفكر!! كم كان المثل اليمني صادقا وهو يقول: “القبيلي عدو نفسه” “القبيلة ما خلّت ابن ادم يتوب”. ويتجذر السبب في انتشار الجهل، لأن من يملكونه كما يقول فرانك كلارك متحمسون جدا لنشره.

***

غيبوا العقل واستعاضوا عنه بغباء يكسر الرؤوس والفؤوس والحجارة.. أكثروا من الوهم الذي يسوق الرجال إلى المهالك والمنايا والمقابر.. ترّهوا بما “لا يغني و لا يسمن من جوع” ولا يسد رمق ولا يروي عطش، بل أشعلوها حربا كارثية بكل المقاييس.. حرب باذخة بالموت والخراب والدمار والمجاعة والمآسي الكبار..

لكم أستعاد ذهني مقولة تلك المرأة التي تساءلت وهي تشاهد إحدى الحروب: بأي قدر لا يحبُّ البعض شعبه لكي يرسله إلى مثل هذه الحرب؟! إنها الحرب التي قال عنها آخر “لا أحدَ ينتصرُ في الحرب سوى الحربِ نفسِها، فهي التي تنتصرُ على الجميع.” هذا ما نشاهده اليوم مليا بأم العين.. نتائجها مرعبة ونهاياتها مأساوية وكارثية..

ثمانية عشر ألف قتيل وخمسون ألف جريح في عام واحد فقط من طرف واحد من أطراف الحرب والصراع في محافظة واحدة بحسب تصريح سلطان العرادة محافظ مارب. وقطعا خسائر الطرف المهاجم لا يقل عن هذا الرقم، بل وفق قواعد الحرب المعتادة تكون خسائر المهاجم ضعف خسائر المدافع، ولك أن تتخيل كم ستكون الخسائر البشرية في كل محافظات اليمن طيلة ست سنوات طوال لكل الأطراف غير الضحايا المدنيين، وغير المقدرات الأخرى التي يتم إحراقها في أتونها، وكم ستكون مترتبات هذه الحرب، وكم ستستمر أثارها وتبعاتها من العقود.. إنها كارثة مهولة دون شك.. ولكن “من يقرأ لعريج خطّها”.

“من قتل رجلا هو مجرما، ومن قتل الآلاف هو بطلا” بات هذا المثل في هذه الحرب شاخصا وماثلا للعيان.. بات للحرب أمراء و”أبطال” يقلبون مفاهيم البطولة، وفيما الإنسان الضحية بات هو من يدفع ثمن هذه الحرب ولازال ولا نعلم إلى متى سيظل يدفع ومتى تنتهي هذه الحرب التي أكلت كل جميل في نفوسنا!!..

***

استسهال القتل جعل من المجرمين الكبار أبطالا.. بات الشعب أشبه بالسندان الذي عليه أن يحتمل فيما أمراء الحرب ومن وراؤهم عليهم أن يضربوا بالمطرقة، بل الأحرى أن الشعب هو من صار بين مطرقة وسندان..

لماذا لا يضرب الشعب بيد من حديد أو يكون هو المطرقة بدلا من أن ينقلب واقع الحال.. الجميع باتوا يبصقون في البئر.. يصنعون الأصنام .. ورغم أن المثل يقول من يصنع الأصنام لا يعبدها ولكن لدينا الحال يختلف.. نحن من نصنع الأصنام ونعبدها في الليل والنهار، وأكثر من هذا نعبدها حية وميتة..

الإنسان بات بخسا للغاية، والقتل سهلا وباذخ.. العدالة مضروبة بين مطرقة وسندان وسائس.. مذبوحة على المآذن، ومصلوبة على المدائن.. جعلوا القبائل تقتتل وتحترب وتحمل ثأرها الف عام.. سيظل نزيفها والدم من رأسها وهم عليهم دعمها بالبنادق والمعابر وتزين المقابر.. نُفنى ونفني بعض حتى لا يبقى من بقايانا أثر..

وطن تلاشى بقاياه وبات “أثرا بعد عين”.. صار ما بقي لنا من نظام وقانون ومواطنة شذر مذر.. جرّفوا الوعي وكرّسوا المزاعم وتحمسوا لكل جهل وبلغوا به أوجه.. ذهبت بقايا الدولة وحل محلها كل هذا الخراب والدمار الكبير..

***

زر الذهاب إلى الأعلى