العرض في الرئيسةفضاء حر

معهد القضاء الأعلى .. كيف يحتكرون بقايا الدولة..؟!

يمنات

ماجد زايد

وأنت تتابع من صنعاء، مجريات تسيير ركام الدولة بعد تدميرها، ستدرك جليًّا كيف أن دولة الشعب أصبحت مرتهنة في نوايا أشخاص معدودين، أشخاص من ذوي القربى والأيديولوجيا والمصلحة السياسية المتبادلة، قد لا تعلمون تفاصيل ما يجري خلف الجدران المظلمة، وتحت الطاولات المبيوعة من عمليات تأجيج وتفجير ومحو لأثار الشفافية والمساواة والدولة الجامعة للشعب والمواطنيين، لكنه زمن الضياع واليأس وإنعدام الدولة الضامنة للجميع بأحقية الحميع في وطنهم وأرضهم وفرصهم فيهما، هذه تجربة واحدة وعدة أحاديث مع مجموعة من الطلاب الأوائل المحرومين من حقهم في نيل فرص الإلتحاق بمقاعد دراسية إنتظروها لسنوات وسنوات حتى إنقضت أعمارهم، وسهروا خلالها الاف الساعات والليالي لمجرد الوصول فقط، في واحدة من أقبح عمليات التزييف والخداع وإحتكار الحق العام أمام الشعب ومواطنوه..

قبل أشهر إتصلت بأحد القضاة اليمنيين المعروفين، لأسئله عن قاضٍ شاب في محافظة إب، قاضٍ سيء الأخلاق ومتكبر ومغرور ولا يراعي القوانين والمساواة بين الناس، يومها أجابني بحسرة عن مجموعة الخريجين الجدد من المعهد العالي للقضاء، قال ربما من تتحدث عنه، واحد منهم، وهذا بلا شك، هؤلاء إلتحقوا به وتخرجوا منه بطريقة تتنافى مع الأحقية والإجراءات الشفافة في المعهد العالي للقضاء، كانت الصدمة كما سابقاتها، لم يكن الأمر غريبًا، فنحن في زمن لا مؤسسات فيه، ولا دولة تراعي شعبها في أحقية نيل الفرص والمنافسات على أجهزتها ومقاعدها، لكنني عرفت الإجابة بفهم أكثر خلال هذه الأشهر الأخيرة، قصة طويلة كالغصة في ما يجري وما يصاغ لمستقبلنا جميعًا، غصة ستدرك من خلالها حقيقة أنهم يصنعوننا كما يريديون، ويختارون لحكمنا وقضاءنا من أقاربهم وإنتماءاتهم ومن ينسجمون معهم ومع مصالحهم الضيقة والمؤقتة..

وهنا تبدأ الحكاية، قبل قرابة العام وأكثر، أعلن المعهد العالي للقضاء عن فتح باب الإلتحاق والقبول والتسجيل لدفعتي دبلوم العلوم الجنائية والدراسات التخصصية العليا، لتستمر عملية القبول والتسجيل طيلة عام كامل، آنتهت بطريقة خسيسة وصادمة وظالمة وغير شفافة، عندما أعلنوا قبول عدد 283 طالبًا لدفعة العلوم الجنائية وعدد 103 طالبًا لدفعة الدراسات التخصصية العليا في حين أن العدد المعلن عنه أثناء فتح باب القبول والتسجيل لا يتعدى 70 مقعد لدفعة الدراسات التخصصية العليا و200 مقعد لدفعة العلوم الجنائية، ليس هذا مهمًا لو كانوا فقط إكتفوا بمن يريدون، لكنهم تجاوزوا الأمر بكثير،

لقد تعمدوا إقصاء المتفوقين وذوي المعدلات المرتفعة من قوائم المقبولين، أسقطوهم من عملية القبول بلا مبررات تذكر سوى المزيد من التهرب والإساءة واللف والدوران، الطلاب الأوائل إنتظروا عملية التقديم لسنوات، إنتظروها بشهائدهم المتفوقة ودرجاتهم العالية وسنواتهم الطويلة في الدراسة والحلم والشغف والكثير من الإنتظار، وحين تقدموا، تفوقوا في معدلات القبول، وتفوقوا أيضًا في إختبارات التعنت لهم والتعمد على إقصاءهم، إجتازوا الإختبارات الصعبة جدًا جدًا، بدرجاتهم عالية جدًا جدًا، في تحد واضح لكل العوائق والمحاولات الإقصائية لهم ولكل ااطلاب الأكثر أحقية من غيرهم، بعدها دخلوا المقابلات الشخصية مع وزير العدل ومن بجانبه، مقابلات لم تتجاوز ثلاث دقائق وربما أقل، كأنها محاولة لإقناعهم بالمظاهر فقط، فيما الكشوفات قد أعدت مسبقًا، هذه المقابلات التي تغيب عنها عميد المعهد المعين بلا مبررات تذكر سوى أنهم وضعوا من يريدون وأزاحوا من أرادوا بطريقتهم، بعد عملية الإختبارات والمقابلات تفاجئوا جميعًا بأسماء المقبولين من طلاب المعدلات الهابطة، والدرجات الملفقة والأسماء المسيطرة على الواقع العتم، وهي الأسماء المعروفة بحد ذاتها، كأنها عملية سلالية لا قضائية في حقيقتها المبطنة والمتوارية عن الجميع رغم وضوحها وعلانيتها..!

كانت الصدمة بالغة وشديدة، وأثرها بعيد جدًا، بل وأكثر عمقًا من أخر الأيام في الحياة، كيف ذلك؟! وقد قدموا لأجلها أرواحهم ولياليهم وأيامهم طيلة سنة كاملة من العناء والإجهاد والخيال والتفكير، لكنهم أمامها ما زالوا يحلمون ويقاومون التعسف، بمزيد من الإصرار والمحاولة، ومعها نزلوا للإعتصام والصراخ ومحاولة الوصول، ذهبوا وطرقوا الأبواب، وإستغاثوا بأخر الضمائر الممكنة، وما زالوا يفعلون ذلك، في مواجهة علنية بين نقيضين، أحدهما يمثل الحق والجدارة، وأخر لا يتجاوز كونه وساطة وأسماء مركبة من ذوي الإنتماءات الضيقة، ومع كل ليلة جديدة تقسم ولاء وهي إحدى المتقدمات أنها لن تتوقف عن المحاولة والذهاب كل صباح للدفاع عن حقها في الوصول، كذلك سلوى تقول في معرض حديثها إليّ، لقد ظلمونا بوجوههم دون خجل، وحينما خرجنا للصراخ أمامهم برروا فشلنا وسقوطنا بأنهم يتتبعون مكالماتنا ويعرفون أخلاقنا السيئة، والقضاء لا يعطى الاّ بحسن السيرة والسلوك، ولا يعطى أيضًا لمن يطلبونه، في واحدة من أعظم الغرائب والعجائب بزمن المجانين والمعتوهين، هكذا يقولون: القضاء لا يعطى لمن يطلبه، لأنهم قرروا منذ البداية بقوائمهم المختارة سلفًا، وللأسف كل قوائمهم المعلقة في جدرانهم لا تتجاوز أسماءهم المعروفة والمرتبطة بالسلطة والقضاء والإنتساب للسماء، في توقيت أصبح فيه الشعب بلا أسماء ينتمي بواسطتها لأرضه ووطنه، سوى مجموعة من المواطنين الأقل شأنًا ومكانة، مقابل أبناء السلطة والثروة والسماء المفترضة..
متى سنتهي حكاية السماء في وطن لم يعد لنا منه سوى الشقاء؟!
متى ستغيب سماؤهم، وتعود سماؤنا نحن يالله..؟!

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى