فضاء حر

بقع البارود فوق جدارية الحلم بوطن

يمنات
يتصدع الحلم ببناء دولة المواطنة، وتعتور المسار نحو تحقيق هذا الهدف فجوات ضخمة، ويطرح سؤال: هل فشل الحوار وانتصر السلاح؟
تراكمت على صعيد تحقيق هذا الهدف (الحلم) عوامل إيجابية مواتية وأخرى بطبيعة الحال سلبية غير مواتية. وما يحدث في اليمن منذ زمن، هو احتكاك وصدام بين منظومتي هذه العوامل. أدوات ومظاهر هذا الصدام اختلفت وتماثلت من مرحلة إلى أخرى. ما نعيشه اليوم ليس هو الأسوأ؛ على الرغم من أن أدواته ومظهره في غاية السوء؛ لكن الزمن الذي أنتج هذا الوضع، وراكم شروط ولادته على هذا النحو، كان هو الأسوأ على الإطلاق. اليوم، وبعد كل هذا الزمن من الحلم والرفض، تتوزع بقع البارود ورائحته على جدارية الحلم من أزمان مختلفة، لتسجل صلافة الرفض المقاوم للوصول إليه، والذي ظلت تتناوبه أمم قد خلت وأمم تأتي، “وكلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا أدركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار” (صدق الله العظيم).
نحن اليوم أمام “النتيجة” التي كان من الطبيعي الوصول إليها بعد كل تلك المقدمات التي مثلت العنوان الأبرز لما يمر به اليمن من أحداث. لا أحد يستطيع أن يقول إن عناوين المشهد اليوم هي ولادة حديثة. لقد ولدت هذه العناوين كلها من رحم نظام سابق، رعاها وهيأها ووفر لها شروط البقاء والاستمرار، وكانت بمجملها العناوين التي شكلت منظومة العوامل السلبية وغير المواتية فيما يتعلق بهدف بناء دولة المواطنة؛ لأنه بطبيعته السياسية وبنيته الاجتماعية والاقتصادية، ومع ما أنتجه وما ورثه من كوارث، لم يكن مهيئا إلا لإنتاج هذا النوع من العوامل. وفي حين ظل ينتج ويهيئ منظومة هذه العوامل السلبية، فإنه أخذ يقمع بقوة منظومة العوامل الإيجابية ويضعفها حتى اختلت المعادلة وترتب على اختلال المعادلة نمط خاص للمشهد السياسي تمثل في أن منظومة العوامل السلبية أخذت تتصادم فيما بينها، وتعمل، في نفس الوقت، على خلق المناخ الذي راح يقضي على ما تراكم من عوامل إيجابية لصالح بناء هذه الدولة.
المشهد اليوم لا يخرج كثيرا عن هذه الحقيقة، ما يجعله مشوها بما يكتسبه من ملامح لا توفر أي شروط لانتقال فعلي لتحقيق هذا الهدف في المدى المنظور. وهو، يتميز، إضافة إلى ذلك، بأنه عصي على أن يتفرد به حزب أو قوة أو جماعة بمفردها، وهذا هو العنصر الإيجابي في هذه العملية المعقدة، الأمر الذي يجعل الوضع برمته يتجه نحو مسارين متعارضين: مسار المواجهات وعدم الاستقرار، أو مسار الحل على قاعدة التوافق، التي تشكل “القوة المهدرة” ولا يزال باستطاعتها أن تنتج فرص هذا الحل.
ولكي تبدو الصورة أوضح في قراءة المشهد، فإنه يمكننا التركيز على النقاط التالية:
أولاً: لا شك أننا أمام حالة من الاستقطاب السياسي والاجتماعي المفرغة من الخوف على “الوطن”، والمشحونة بالتعصب للمشاريع النخبوية التي تختزل الوطن بصورة تعسفية في أجنداتها الخاصة. وهي حالة مُنتَجة ومُرحَّلة من أزمنة سابقة. وقوى الصراع التي تحمل هذه المشاريع لم تستطع أن تتحول إلى مكونات سياسية؛ ذلك لأن أدواتها، التي ظلت تعمل بها، ليست سياسية في الأساس، وإنما هي أدوات أيديولوجية إقصائية في جوهرها وميولها، أو أنها أدوات فساد وإفساد مرحلة من الماضي، وجميعها يحميها السلاح والمخاتلة ورفض الآخر.
ثانياً: هشاشة الدولة، الاقتصاد والسياسة، وإلى جانبهما هامشية الثقافة في التأثير الإيجابي على أسلوب التعاطي مع مجريات الأحداث، جعلت الصراخ والعويل ظاهرة ملازمة لنا، نحن اليمنيين، في كل الأحوال، صغرت الأحداث أم كبرت، الخطيرة منها والعادية، كلها على السواء، نتعامل معها بصراخ وصخب يفتقران إلى الرشد في التعبير عن حجم المشكلة ومحتواها، ولا يمكن معهما أن نتبين أين يجب التركيز، أو أين يجب التوقف لبحث الحلول. صخب يحملنا إلى متاهات بالغة الإرباك والإنهاك، يبدو معه الحال وكأن النيران قد أحرقت كل شيء، وأنه لم يعد هناك ما هو قابل للإصلاح. في هذه المتاهات تختلط الحقائق بالأوهام، وحاجة الوطن بتصفية الحسابات؛ وتتجسد في معادلة البناء، التي يدعيها الجميع، عناصر متناقضة من معطيات ومجاهيل هذه المعادلة تجعل منها معادلة مخربة غير قابلة للحل. وكم هي المعادلات التي صاغتها الأحلام وخربتها نقائض الأفعال المعاكسة للحلم في أسوأ صورة لابتزاز الواقع المتطلع إلى التغيير.
ثالثاً: خطاب تخوين وتكفير الجميع للجميع، واتهامات الجميع للجميع، وابتزاز الجميع للجميع، باسم مصلحة الوطن، كما يراها كل واحد من مكانه وموقعه ومرجعيته، كلها تقدم أكثر من دليل على أن هذا البلد كان وسيظل ضحية التهريج، الذي تمارسه نخب تشوهت وتشوه خطابها ومنطقها بتشوه المصالح التي تنتظم في إطارها؛ هذه النخب بعناوينها العصبية، والسياسية وأنماط بناها الاقتصادية والاجتماعية، وكذا المذهبية بمحتواها السياسي والأيديولوجي، والتي انخرطت جميعها في مشروع العنف والحروب وتكديس السلاح أكثر من انخراطها في المشروع السياسي الديمقراطي وأدواته السياسية والثقافية والاقتصادية. يتزامن ذلك مع الحكم المستبد، الذي أنشأ معادلاته على الأرض، وحمى نظامه السياسي والاجتماعي، بتشجيع المشاريع ما دون الوطنية. شجع الثقافة التي تبحر بالمجتمع إلى الماضي ليغرق في أحداثه ومجاهيله والكثير من مفارقاته، التي تجعل من الحاضر والمستقبل مجرد محطات صراع يستحضر فيها هذا الماضي كعنوان لما يجب أن يتشكل بإيقاعاته وتأثيره واقع حال المجتمع ومستقبله. وشجع المشروع الاقتصادي المعطل للتنمية الجادة الشاملة، الذي أفرز بنية اجتماعية مشوهة سحقت فيها كل القوى والفئات الاجتماعية المؤهلة للمبادرة والرافعة للمشروع الاقتصادي التنموي، وخاصة البرجوازية الوطنية والطبقة الوسطى. وفر لهذه القوى الاجتماعية والسياسية شروط التكون والتسلُّح ليواجه بعضها بعضا؛ كي يأمن شرها بعد أن تكون قد استقطبت قطاعات واسعة من المجتمع لتنشغل بالماضي وبمصالحها المتصادمة وتترك بدورها أمر الحكم للحاكم. وهو اليوم يلعب في نفس المساحة التي أمضى سنوات حكمه الطويلة في تسويتها وإعدادها لتغدو ساحة لممارسة ثأره، ليس من خصومه، كما يدعي، وإنما من الشعب الذي ثار عليه في أجرأ انتفاضة ثورية شهدها اليمن.
رابعاً: تصدع الحلم ببناء الدولة هي عملية تراكمية طويلة ترافقت، جنبا إلى جنب، مع بنائه (أي هذا الحلم) في الوعي الشعبي كعملية تراكمية أيضاً. سارت العمليتان التراكميتان بمحاذاة بعضهما: مجتمع بقواه المدنية والشعبية الثورية يحلم ويصوغ هذا الحلم في صور شتى من الأهداف، وفي سبيل تحقيقها يقاوم الاستبداد ويقدم التضحيات ويناضل من أجل الدفع بعمليات إصلاحية وخلق حالات وبؤر ثورية للتغيير. وكان أكثر من يخونه هم أشباه المثقفين ممن امتهنوا الحديث باسم الجماهير ليتحولوا بعد ذلك إلى منصات مزاد عارضين بضاعتهم على الحاكم مقابل منصب أو جاه أو مال. ولم تكن قيادات كثير من مؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية أقل انتهازية من أولئك المثقفين؛ فقد استسلمت لتفكيك منظماتها وأحزابها وصهرها في بوتقة الحاكم، وتحولت من قوى مناضلة إلى قوى مروضة، وهدمت جسورها مع الجماهير، وبعد ذاك تحولت إلى عبء حتى على الحاكم الذي روضها وطوعها للعمل لصالحه. وكانت هذه المنظومة الانتهازية والنفعية جزءا من بنية النظام السياسي الذي عمل على تكسير الحلم وانتكاسته؛ عبر عملية طويلة من التخريب القيمي الذي أفضى، في نهاية المطاف، إلى بيئة طاردة للأحلام الثورية ومستكينة للواقع المروض. وكانت هذه هي العملية التراكمية في الاتجاه المضاد.
خامساً: انقسام وتفكيك المجتمع الذي تعمل عليه هذه النخب بطابعها العصبوي ومضمونها الدوغمائي، بشقيه السياسي والاجتماعي وموروثه الفكري، لم يستطع أن يخترق المجتمع رأسياً، حيث ظل متماسكاً إلى حد كبير، وهو ما شكل حماية للبلاد من الانقسامات والتفكك وكذا الحروب المعبرة عنها.
تقوم كثير من الحروب بالاستناد إلى هذه القيم ما دون الوطنية؛ ولكنها كانت تبقى حروبا نخبوية فوقية، لا يشارك فيها إلا المنتسبون إلى هذه القوى والنخب والجماعات بصيغها العصبوية المختلفة. أما بقية الشعب بأغلبيته الساحقة فإنه يبقى خارج هذه الحروب، معبراً عن الحالة الوطنية المقاومة للاختراق العصبوي وحروبه العبثية. وإذا ما شاركت بعض القطاعات فبأجرها، دون انخراط حقيقي في لعبة هذا النوع من الاستقطاب. لم تسفر محاولات الاستقطاب التي جرت على هذه القاعدة، عبر مراحل طويلة من الصراع، عن شرخ انقسامي عميق في المجتمع؛ عدا بعض الشروخ الصغيرة التي تتوقف عند القشرة السطحية لبنية المجتمع وفي إطارات نخبوية. لقد شكل هذا التماسك لبنية المجتمع، حتى الآن، ضمانة حقيقية لبقاء اليمن بعيداً عن هذه الحروب الكارثية التي نشاهدها في أكثر من مكان من الوطن العربي، حتى أنها تبدو وكأنها حروب من طرف واحد، مثلما كانت دائماً طوال كل الحروب التي اندلعت في اليمن. حتى حرب 94، والتي حاول نظام صنعاء أن يصورها على أنها حرب الشمال الوحدوي على الجنوب الانفصالي، في إسقاط لحروب الشمال الأمريكي على جنوبه، كانت حرباً نخبوية لقوى متحالفة متنفذة ومعبرة عن مصالح طبقية بعينها، وإن كانت مشوهة، أرادت أن تعيد صياغة الوحدة على مقاسها، ولتحقيق ذلك كان لا بد من أن تضع الجنوب كله خصماً في مواجهة الشمال الذي رفض هذه الخصومة بإصرار.
سادساً: كان هذا المجتمع يقوم بدور هام في الحفاظ على كيان الدولة، عندما تتعرض الأنظمة السياسية والاجتماعية للانهيارات. كان هو العنصر الفاعل من عناصر الدولة، الذي يظل متماسكا في مواجهة الحروب والانهيارات، ويقاوم عبث النخب المتصارعة. وعندما لا تجد هذه النخب استجابة من المجتمع لهذا الاستقطاب لتغذية حروبها الفوقية، فإنها إما أن تتوقف، أو أن تتوحش أكثر. أما التي تتوقف فإنها تبدأ في البحث مجدداً عن وسيلة تربطها بالمجتمع، ثم تنخرط فيه مستخدمة الأدوات التي يقبلها، وتصبح طبيعة هذه الأدوات معياراً لمصداقية الانخراط في المجتمع. أي أن المجتمع يستطيع أن يكتشف هذه المصداقية من عدمها بسهولة من خلال هذه الأدوات. وكم هي المرات التي لفظ فيها المجتمع كثيراً من هذه النخب، حينما ضللته وقررت احتفاظها بأدوات الحروب لجولات أخرى من الصراع. وأما التي تتوحش أكثر فإنها تواصل الغرق في الدماء والانعزال عن المجتمع؛ فكلما غرقت في الدماء أكثر وأكثر، تقطعت روابطها مع المجتمع وتحولت إلى مجرد أداة للقتل والترويع.
سابعاً: لعب الحكام الفاسدون الدور الأساسي في تخليق وتكوين هذه النخب وتسليحها وإدارة معاركها، من منطلق استقر هدفه الأول، وربما الوحيد، على حماية أنظمتها الفاشلة من المساءلة الشعبية والانتفاضة عليها. وتحقق لها هذا الهدف في المرحلة الأولى؛ لكن هذه النخب لم تلبث أن أخذت تسوق نفسها كلاعب هام بمعزل نسبياً عن الأنظمة التي أنتجتها، وبدأت مرحلة جديدة من المواجهة والصراع والتحالف مع النظام، وفيما بينها. وفي هذه المواجهات والصراعات والتحالفات راحت تستخدم عناصر الحشد، المقبولة وغير المقبولة مجتمعيا، وأخذ كل منها يخبط في البركة التي يستطيع أن يصطاد منها ما يعزز قوته وبالسنارة التي صنعها لهذا الغرض. لا يهم عند هؤلاء حجم الضرر الذي يتعرض له المجتمع جراء ذلك؛ المهم هو كيف ينجح هؤلاء الفرقاء في تشكيل بيئة يستطيعون أن يمارسوا فيها خصوماتهم، وتبرر حروبهم وصراعاتهم دون انتظار أن تكون مقبولة أو غير مقبولة مجتمعيا.
ثامناً: مقاومة المجتمع اليمني لهذه الاختراقات لبنيته المتماسكة في مواجهة الانشقاقات الكبرى بدأت تتصدع في نقاط التماس المذهبي بجغرافيتها التاريخية، وذلك منذ فترة؛ أي منذ أن بدأ التطرف المذهبي والعرقي في هذه المناطق يهز أعماق السلم الاجتماعي؛ بالاغتيالات وخلق المبررات لاستدعاء الفتنة الطائفية من تجاويف تكاثرت داخل وعلى حافة الثقافة الوطنية، والمصالح المشتركة، والتعايش الذي كان قد أخذ يرتب حالة وطنية جامعة في هذه المناطق. يجري، منذ سنوات، وفي تساوق مع العبث الذي امتدت إليه يد الحكام السابقين، وما تلاه من شحن ديني – أيديولوجي، حتى الأحداث التي امتدت إلى هذه المناطق مؤخراً، سواء بعناوينها الثأرية أو العصبوية المتداخلة مع التراكيب الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يتم تفريغها من محتواها الوطني وشحنها طائفياً من قبل الأطراف المتصارعة، يجري اختراق المجتمع رأسياً في أخطر صور الانقسام الاجتماعي. كان المجتمع قد تجاوز خطورة هذا الانقسام في فترات مبكرة أعقبت ثورتي سبتمبر وأكتوبر، عبر ترميم ملموس لبنيته التي تعرضت لهذه الاختراقات إبان حروب الإخضاع السياسي – الطائفي، والتي أورثت المجتمع أثقال تقسيمه بين حكام ومحكومين؛ بالاستناد إلى هذا المعيار الذي اعتمد على المذهب والقبيلة والعسكر. والحقيقة أن المذهبين الشافعي والزيدي، في صيغتهما غير الأيديولوجية، وكذا القبيلة في شكلها الاجتماعي غير الموظف سياسياً، كانا عنصرين ملحقين بالسلطة. ولكن عندما أصبحت السلطة هجيناً من العسكر والمذهب، بصيغته السياسية والأيديولوجية وكذا القبيلة (السياسية)، فإن دورهما أخذ يتبدل في معادلة الدولة بصورة جذرية، ما فتح أبواب العودة إلى الصراع المذهبي في صيغته الأيديولوجية. لكن القبيلة بصورة عامة ظلت تقوم بوظيفتها في الإطار السياسي المتسم بالبراجماتية والممانعة لمحاولات اختراقها أيديولوجيا؛ إلا في نطاق ضيق؛ وهو ما جعلها حاضنة للتنوع المذهبي، ولم تقبل بتحويل هذا التنوع إلى صيغة طائفية طوال عقود من الزمن. ربما استطاعت زعامات القبيلة أن ترسل إشارات في مختلف المراحل على اعتناقها الأيديولوجيا المذهبية، بشقيها، لزوم تأكيد الولاء وتمكين النفوذ؛ ولكن، ولأنها تدرك خطورة التمكين الأيديولوجي على نفوذها القبلي، فقد وقفت ضده بصمت ومقاومة وعناد في نفس الوقت.
ويمكن القول إن القبيلة لم تعتنق المذهب كأيديولوجيا، وذلك ما سهل عليها الانتقال من مذهب إلى آخر، حسب الظروف السياسية المعاشة وما يرافقها من نفوذ وسلطة وتسلط. وشكل هذا عاملاً هاماً في حماية المجتمع من الانقسام الطائفي العميق، الأمر الذي حاصر، إلى حد ما، الاستقطاب الأيديولوجي الذي يمارسه اللاعبون على المعادلة الطائفية، بمن فيهم أطرافها، حيث ظل هذا الاستقطاب داخل الفضاء القبلي محكوماً بحسابات مؤقتة ذات علاقة بالمصلحة والمنفعة في صيغتها السياسية والمادية.
تاسعاً: تعرض الفضاء القبلي المؤثر والمحيط بالعاصمة للتخريب والاستقطاب لفترة طويلة، بواسطة أدوات مذهبية أيديولوجية، وعسكرية وسياسية انتهازية، ومالية منظمة وعشوائية، وأدوات نفوذ تسلطية. كما تعرض، في جزء كبير منه، للقمع والإذلال، من قبل الجزء الذي تشابك مع السلطة في أهم مفاصلها، العسكرية والمالية والسياسية. وهيأ هذا الوضع مناخات لاستقطابات صدامية لا تفرق كثيراً بين الثورة والثأر. ولم يكن الخارج غائباً عن هذا التخريب، بوسائط تداخلت مع السلطة ومراكز النفوذ مروراً بأقطاب الوجاهات الاجتماعية والمشيخية وانتهاء بمراكز النفوذ الروحي.
لقد أدى هذا التخريب إلى تكوين جيوب واسعة قابلة للاستخدام العسكري ضمن سياقات الصراعات بعناوينها التعبوية المختلفة، ودون تركيز على مضامينها؛ المهم أن توفر العيش، وإلى جانبه قدر معقول من المبررات، مثل الانتقام أو الثأر أو البحث عن موضع ما في السلطة، بما يوفره ذلك من ضمانات للحصول على قدر من الثروة والجاه. ولم يكن الوضع المأساوي الذي وصلت إليه قطاعات واسعة من هذا الفضاء القبلي سوى نتاج طبيعي لهذه الصراعات.
لقد امتد هذا التخريب عقودا من الزمن شملت أجيالاً متعاقبة، وكان كل جيل منها يفقد قدراً من التماسك القديم، بسبب متغيرات وأعباء وضغوط الحياة والإحباطات التي يرتبها استمرار التخريب الممنهج، الذي أخذ يضرب بقوة جذر هذا التماسك الاجتماعي ويخلخل أوتاده الضاربة بقوة في الأرض. ولذلك فإن هذا الفضاء القبلي الحافل بكل التناقضات، التي تضخها إلى داخله أدوات الاستقطاب والتخريب تلك، لم يعد قادراً على المساهمة في حل مشاكل البلاد، فقد جرى تحويله، بما فيه من مخزون بشري كبير، إلى مصدر للمشاكل بصورها العديدة. لقد تحول إلى منجم للمقاتلين الذين تتصيدهم أطراف الصراع وتقذف بهم إلى محارق الموت، لا يعرفون، في كل جولات الحروب التي دفعوا إليها، لماذا يقاتلون أو من أجل ماذا يموتون.
عاشراً: في تاريخ حروب الصراع السياسي في اليمن، كان “المنتصر” دائماً لا يعرف كيف يتصرف بهذا الانتصار، أو كيف يديره؛ يرفع شعارات يعبئ بها المحاربين في صفه، ثم لا يلبث أن يعمل من خارج هذه الشعارات. يلتحق به في مسيرة الانتصار الآلاف ممن يرون فيه محطة جديدة للتكسب والعيش، أو تحقيق مآرب أخرى، وفي نشوة “النصر” تبدأ الأخطاء الصغيرة تنتج أخطاء أكبر. وعلى مائدة المراجعة يتصاعد نقد المخلصين ويرتفع عالياً مديح المتزلفين. وكانت الزعامة التي لم تعد تقبل النقد تقع ضحية المتزلفين، وتبدأ بخلط الأوراق. ثم تأخذ عجلة التحضير لصراعات أخرى تدور في نفس الاتجاه الذي خلص إليه المنتصرون السابقون. الانتصار بالحروب لا يسمح بتوليد مسارات ناجحة لتحقيق الأهداف الوطنية الكبرى؛ لأنها تتحقق غالباً على قاعدة مختلفة. تتضخم مكاسب المنتصرين بالحروب على حساب الشعارات التي يرفعونها. لا يستثنى من هذه القاعدة أحد. ولقد قلنا مراراً إن الحروب الداخلية هي خيار ثأري لا يرتب أي مسارات حقيقية للبناء والاستقرار والتعايش والتطور. وكل الحروب التي خاضها اليمنيون فيما بينهم، حتى اليوم، هي حروب ثأرية، في المقام الأول، ليس لها علاقة ببناء الدولة، وإنما تدور في حرم السلطة والتسلط، ينتصر طرف ويفرض سلطته ويقمع الدولة (المؤسسات، القانون، منظومة البناء الفوقي كاملة، بما في ذلك التنوع المذهبي والثقافي ومكونات السلم الاجتماعي) كمقدمة لقمع الآخرين.
ويمكن أن نتوقف هنا قليلاً عند مفهوم السلم الاجتماعي وشروطه وأركانه، وهو مفهوم يختلف عن أمن السلطة. فهذا النوع من السلطات يهتم بأمنه لا بالسلم الاجتماعي. فالسلم الاجتماعي يقوم على التعايش والقبول بالآخر والحوار والتفاهم والتسامح والعدل. أما هذا النوع من السلطات فإنه لا يجد أمنه إلا في إذكاء الصراعات السياسية والثقافية والدينية وتعميق التناقضات الاجتماعية وهيمنة فئة أو طائفة أو أيديولوجيا أو مذهب سياسي. وفي تساوق مع هذا الاختلاف، ينبذ السلم الاجتماعي الحروب الداخلية بأنواعها، في حين تعمل ميكانيزمات أمن هذه السلطات على توفير شروط العنف والحروب بصورة مستمرة، وعلى نحو متكرر، وفي دورات متجددة من العنف والمواجهات المسلحة.
نستطيع أن نقول إننا أمام حرب أخرى من حروب الثارات، ومهما كانت العناوين فهي حرب ثأرية بامتياز. ومثلما تعثرت حروب الثارات السابقة أمام معضلة تحويلها إلى مشاريع للتعمير، فإن مصير هذه الحرب لن يكون أكثر حظا من سابقتها؛ إذا لم يجرِ تحويلها فوراً إلى مشروع سياسي وطني ديمقراطي يستكمل ويصحح في مبناه ومعناه المسار السياسي الذي انتهى إليه الحوار الوطني. وبالاستناد إلى المعيار التاريخي في تقسيم المجتمع اليمني عرقياً، كما تستحضره بعض أطراف الصراع في شحنها الطائفي الرديء، فإنه جدير ب “أنصار الله” أن يقرؤوا هذه المسألة بعناية؛ لأنهم سيخطئون كثيراً إذا ما قبلوا أن يكونوا طرفاً في معادلة من هذا النوع؛ لأسباب لا نعتقد أنها خارج وعيهم. ولكي تكون هذه آخر حروب الثارات، فإن تداعياتها لا بد أن تتوقف عند الاتفاق الموقع مؤخراً بين القوى السياسية بشأن تشكيل الحكومة، والبدء بتسخير الجهد الجمعي لبناء الدولة، وفقا لمخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية واتفاق السلم والشراكة، والقادرة (أي هذه الدولة) على دمج المجتمع اليمني في صيغة وطنية تكاملية متعايشة ومنسجمة، مع العمل على تصحيح الموقف من حل القضية الجنوبية، حتى لا تبقى هذه القضية ثغرة لتقويض العملية كلها. ولا بد أن يكون صوت وخيارات الشعب في الجنوب حاضرين في الحل.
حادي عشر: إبان الانتفاضة الشعبية التي شهدتها صنعاء وتعز، عام 1992، صدر بيان مجهول الهوية، ووزع على نطاق واسع، قال إن مصير من يقفون وراء هذه الانتفاضة سيكون نفس مصير “أصحاب أحداث أغسطس 1968” (هكذا وبهذا التعبير الفج)، وكلام كثير يستحضر ويستنجد بالمناطقية والطائفية. وكان هذا بعد الوحدة التي يفترض أنها كانت قد وضعت تسوية نهائية لكل الصراعات السابقة لها وبواعثها. يجسد هذا حقيقة أن بواعث الصراعات والحروب القديمة لا تنتهي بانتهاء هذه الصراعات؛ ولكنها تظل كامنة في الوعي لتجنيدها في الوقت المناسب من قبل الأنظمة الفاشلة، والنخب التي لا تحمل مشروعاً لبناء الوطن. والحاكم الذي يجسد أسوأ أنماط الحكم هو ذلك الحاكم الذي يقوم على تدمير الدولة ونظامها المؤسسي ليبقى في الحكم أطول فترة ممكنة.
إن الاستعانة بالخطاب الطائفي في مواجهة استحقاقات بناء هذا الوطن، في أي مرحلة تاريخية، كان وسيظل وسيلة لتدمير المقومات الرئيسية التي شكلت على الدوام عناصر التماسك والتلاحم الوطني لأبناء اليمن، على اختلاف وتنوع مذاهبهم ونحلهم وأعراقهم ومنابعهم الاجتماعية وثقافاتهم، بالإضافة إلى أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية. إن مثل هذا التدمير، بتوظيف هذا العنصر، الذي لم “يتطرف” في أي يوم من الأيام إلى المستوى الذي يصبح فيه مصدر تهديد لكيان الدولة، بات يمثل خطراً شديداً، بعد أن أوشك أن يصبح لعبة إقليمية، وتصبح معه الحروب حروباً بالوكالة على الأرض اليمنية. والحروب بالوكالة هي أكثر الحروب إنتاجا للتطرف، ولا يلتحق بها إلا المهووسون بالتدمير؛ فهم لا يحملون أي قضية تخص وطنهم، وإنما يقحمون أوطانهم في صراعات وحروب تتعلق بموضوعات لا تمثل أي أولوية في أجندات القضايا الوطنية على اختلافها وتنوعها.
ثاني عشر: اليوم تغيرت المعادلة السياسية والاجتماعية تغيراً كاملاً، بعد أن أصبح “أنصار الله” اللاعب الأكثر حضوراً في المشهد السياسي، وأخذ هذا التغيير يعيد بناء المشهد، ومعه أدوات اللعبة بكامل منظومتها. يتقاطع “مؤتمر” صالح و”أنصار الله” عند النقطة المتعلقة بضرورات العمل معاً على تغييب عناصر بعينها من المشهد السياسي القديم. وهذه هي النقطة الجامعة للطرفين، وكلٌّ يراها من زاويته. وخارج هذه النقطة لا يحمل أي من الطرفين وداً للآخر، فالماضي القريب مثقل بحروب صعدة الست ونتائجها؛ وإن كان فتح هذا الملف يبدو أنه مؤجل إلى حين. ومع تغير ميزان المعادلة، بأدواتها الاجتماعية والعسكرية والتحالفات الإقليمية، فإن “مؤتمر” صالح، بصيغته التي استقر عليها، لم يعد يرى منافساً قوياً له غير “أنصار الله”، وهو يعمل بكل قوة على توريطهم في معارك طويلة الأمد، يكون فيها طرفاً من الجهتين (مسانداً ومواجهاً في نفس الوقت). وفي مثل هذا الوضع لا يمكن له (أي “مؤتمر” صالح) أن يكون غير ذلك؛ انسجاماً مع خطه وخبرته التاريخية وتمسكه بالتفرد بالسلطة. ولكي لا يبقى “أنصار الله” داخل هذه الكماشة، فعلى القوى السياسية أن تمد لهم يدها بدون تردد، بما في ذلك المؤتمر الشعبي، بصيغته الوطنية التي تعمل أجنحة كثيرة فيه على الظهور بها، وعلى “أنصار الله”، بالمقابل، ألا ينتظروا من هذه القوى مباركة كل تصرف يحسب عليهم. عليهم أن يستمعوا إلى الجميع، ويدققوا في النقد، ويتحاوروا بوضوح مع القوى السياسية، حول المستقبل وبناء الدولة، ليتحملوا معاً عبء المرحلة القادمة. وهناك فرق بين نقد الفعل، ونقد الفاعل، وخاصة في المرحلة المبكرة من اختبار الفاعل ومدى استجابته للتفاعل مع نقد الظاهرة. من المناسب أن يتوجه النقد، في هذه المرحلة المبكرة، نحو الفعل، ليتيح ذلك فرصة لتجاوز الأخطاء، بدلاً من الاحتشاد في خنادق المواجهة.
في المشهد العام، هناك فجوات تطرح أسئلة كثيرة بدون إجابات واضحة حتى الآن. إن أهم فجوة في المشهد هي أن أدوات المشروع السياسي الوطني انكفأت أمام ما يطرح بأنها متطلبات إنجاز مهام “حالة ثورية” تشكلت في وجدان قوة اجتماعية عانت من الظلم وخرجت لتنتقم، أو لتساهم في بناء دولة. وسيتوقف ذلك على أدوات إداراتها لحراكها اللاحق. ولكن حتى هذا الانتقام أخذ طابعاً انتقائياً، مرده في الأساس إلى تقدير هذه القوة لحاجتها إلى ألا يكون الانتقام مجرد حالة وجدانية، وإنما يأخذ بعده السياسي، فيما يوفره ذلك من شروط لتحويل الانتقام إلى “حالة ثورية”. لكن الحالة الثورية تستدعي من “أنصار الله” ألا يغرقوا في الانتقام إلى الدرجة التي قد يفقدون فيها تدريجياً القدرة على الإمساك بخيوط المشروع السياسي الوطني، الذي من شأنه وحده أن يعظم من مكانتهم كطرف في المعادلة السياسية لبناء الدولة، وخلق الوطن المؤجل الذي ينتظره الجميع.
ثالث عشر: قبل سنتين، طلبت من “الإصلاح”، ضمن قراءة شاملة للوضع السياسي ما بعد ثورة التغيير11 فبراير، أن يستخدموا الإمكانيات المتوفرة لديهم في دعم الحياة السياسية والمشروع السياسي، من خلال دعم الأحزاب والمكونات السياسية، وألا ينظروا إليها كمنافس لهم، وإنما كرافعة للمشروع السياسي الذي سيصبح “الإصلاح” جزءاً منه؛ يتفاعل معه في عملية تبادلية وجدلية يوفر له الحماية من الانزلاق نحو العنف والحروب؛ لأن البديل، كما قلنا يومها، لعدم نجاح المشروع السياسي، هو مشروع الحروب، والذي سيجد نفسه -شاء أم أبى- طرفاً فيه. سألني بعضهم: كيف سيتحقق ذلك؟ أسهبت في الشرح في لقاءات عديدة. وشرحت ل “أنصار الله”، في أكثر من مناسبة، كيف أن “الإصلاح” كان له موقف رافض مع أحزاب المشترك لحروب صعدة. سارت الأمور على نحو مختلف، حمل عليَّ بعض المنتسبين إلى “أنصار الله”، بكتابات عبرت عن هوشلية “اللمة”، من خارج أولئك الذين حملوا القضية من البداية بروح كفاحية المظلوم، وكانوا، كعادة أولئك الملتحقين بأي مسيرة في مراحلها الأخيرة، يبحثون عن مكان في الطابور؛ بأي وسيلة كانت، ولو بالإساءة يميناً وشمالاً. وكفرني بعض المنتسبين إلى “الإصلاح” بصورة لا تستفز المشاعر الإيمانية للمرء فحسب، ولكنها تستنفر كل ما لديه من ولاء لعقيدته وإنسانيته، وهاجمني منهم آخرون بتهم سخيفة، وهي أن الاشتراكي شريك للحوثيين في دخول عمران، وغيرها من أقاويل التضليل التي أرادت بها هذه الأصوات أن تقرطس هذا “التجمع” الكبير في قرطاس من التعالي على النقد، وعلى شروط الانتقال إلى الحياة السياسية. كانت هناك بعض أصوات تزأر من مواقع أيديولوجية أو نفعية محنطة أسدلت ستاراً من التضليل على مراكز القرار التي كان من الممكن لها أن تدعم المشروع السياسي وتمنحه المساحة الكافية لتقديم أفضلياته. ظلت تعمل على تعطيل الانفتاح على الحياة السياسية؛ إلا بشروطها هي، وهي شروط معطلة بطبيعتها، ووجدت نفسها مستغرقة في مشروع الحرب؛ لأنه المشروع الذي كان من الطبيعي أن يتمدد على الأرض، بسبب ضعف وتراجع المشروع السياسي. ظل مشروع الحرب، طوال عقود من الزمن، يتربص بالمشهد السياسي، فينقض عليه كلما بدأ هذا المشروع السلمي يرتب أوراقه ويبني أدواته ويتجه نحو تحقيق أهدافه. كان يأتي من قلب العاصفة السياسية التي يجري افتعالها في أكثر من محطة تاريخية. وبدلاً من تطوير الأدوات السياسية القادرة على مواجهة العاصفة، وتفكيك المشكلات المتراكمة داخل هذه العاصفة، فإن حماة مشروع الحرب كانوا يجدونها فرصة مناسبة لتفجير الحرب في وجه المحاولات السياسية، حتى يتم تدمير كل ما تحقق من تراكم على هذا الصعيد.
لن يغادر مشروع الحروب المشهد إلا إذا التحقت كل القوى بالمشروع السياسي السلمي الديمقراطي، وبدأت تستخدم أدواته في تطوير أوضاعها الداخلية وفي نضالها السلمي. وهي لن تتمكن من ذلك إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون هذه القوى قد اقتنعت بفكرة التعايش والشراكة السياسية، وقبلها الشراكة في الحياة؛ على قاعدة بناء وتنمية إرادة شعبية وطنية تقرر، دون غيرها، أسس وقواعد وضوابط هذه الشراكة مع العمل على خلق دولة نظام وقانون تحميها.
رابع عشر: أهم ما في هذه اللحظات التاريخية هو الحفاظ على كيان الدولة وحمايته من الانهيار، وتقف على رأس العوامل المرتبطة بالحفاظ على كيان الدولة مسألتان جوهريتان:
الأولى: تجنب الانزلاق نحو أي صراع يأخذ منحى طائفياً، على أي نحو كان. وعلى القوى السياسية والاجتماعية والدينية، بألوانها المختلفة، أن تقف عند هذه المسألة بمسؤولية كاملة، وتتوقف عن الشحن الطائفي، وتلتزم بحقيقة أن خلافها هو سياسي واقتصادي بدرجة أساسية، وأن العنوان المذهبي أو الطائفي ليس سوى أداة شحن خبيثة لتحويل الخلافات التي يمكن حلها على قاعدة الاتفاق على إدارة رشيدة للمصالح، إلى صراع يستأثر فيه المتغلب بكل المصالح. لا تكمن المشكلة في أن تكون هناك مذاهب أو طوائف أو أعراق؛ لكن المهم هو كيف تدار مصالح هذه الفئات جميعاً على قاعدة المواطنة المتساوية وحماية مصالح الجميع. لم يشكل الخلاف السياسي والاقتصادي في كل حالات الصراع ومظاهرها، بما فيها الحروب، مشكلة بذات الخطورة فيما لو أصر فرقاء الصراع على جرها إلى دائرة الصراع الطائفي الانقسامي للمجتمع. ولا يلجأ إلى تحويل الصراع الدنيوي بمضمونه السياسي والاقتصادي إلى صراع ديني ببعد طائفي إلا تلك القوى التي تعجز عن خلق مقاربات سياسية ذات مضمون وطني لخطابها وعملها بين الناس، ويكون الخطاب الديني ذو المحتوى الأيديولوجي الانقسامي هو أداتها التي تعيد بواسطتها شحن قطاع من المجتمع وتعبئته في مواجهة قطاع أو قطاعات أخرى، لتبدو المسألة وكأنها مواجهة على أرضية دينية مجردة من المصالح الدنيوية، بينما الحقيقة هي أن المسألة عند هؤلاء جميعا لم تعد لها علاقة بمن كان له أحقية في الحكم بالأمس البعيد، وإنما في من يرى نفسه أحق بالحكم اليوم. ولا يجب أن نسقط أمس على اليوم، أو نستعين به أو ندحضه، في معارك الأحقية في “الحكم” من منظور تاريخي، أو صراع هيمنة المصالح التي تجري على الأرض، بكل ما تحمله من نوازع بشرية محضة لا علاقة لها بالسماء ولا بالأمس.
الثانية: التعاطي المسؤول والواقعي مع قضية الجنوب من قبل كافة القوى السياسية، وأبدأ هنا بالنخب السياسية الجنوبية، بمشاريعها المتنوعة. من الملاحظ أن الأوضاع في اليمن تتحرك على الأرض بطريقة لا تترك أمام هذه النخب سوى أن تتفق على قواسم مشتركة في اللحظة الراهنة، دون أي غطرسة أو مخاتلة من قبل أي طرف بفرض خياره على الآخرين كخيار وحيد. لقد أدت هذه المحاولات، بفرض خيار سياسي أحادي من قبل هذا الطرف أو ذاك، إلى تمزيق الكتلة الثورية الجنوبية، المتمثلة في الحراك السلمي، الأمر الذي لم تتمكن معه من صياغة مشروع سياسي برؤاه الاستراتيجية وتفاصيله التكتيكية. وأدى هذا الوضع إلى ضياع كثير من الفرص التي كان بالإمكان استغلالها لتعزيز المسار لحل القضية وفقا لخيارات الشعب في الجنوب حلاً عادلاً. لقد كان من الممكن أن يعمل الجميع على تكوين قاسم مشترك لكل القوى الفاعلة على الساحة الجنوبية، ووضع خارطة طريق واقعية، بعيدا عن الانقسامات التي تحكمت في مسار العمل السياسي والشعبي وأفقدته القدرة على قراءة الواقع في حركته، وكل ما ينشأ عن هذه الحركة من تغيرات وتبدلات في مواقف الناس والنخب صعودا وهبوطا، وكذا مواقف القوى ذات الارتباط المباشر أو غير المباشر بهذه القضية، بما في ذلك وضع السلطة ومؤسساتها وأجنحتها، إضافة إلى التبدلات في مواقف المجتمع الإقليمي والدولي، بفعل التأثير الإيجابي أو السلبي الذي يتشكل في ضوء الحالة السياسية التي تكون عليها هذه القوى. وتبدأ هذه الخارطة أولاً: برفض تقسيم الجنوب إلى إقليمين، وتوقيع وثيقة شرف بذلك. وتكمن أهمية ذلك في أن كثيراً من الأصوات تريد أن تستخدم فقط كلمة “الجنوب” لتمرير مشروع تجزئته إلى شرقي وغربي، بما يحمله ذلك من أهداف تتفق موضوعيا مع من يريد أن يوظف التقسيم على هذا النحو لتفريغ القضية من معانيها السياسية التاريخية، والوقوف بها عند حدود تقسيم إداري مجرد من هذه المعاني. وثانياً: لا بد لهذه القوى الفاعلة في الجنوب أن تنتج روابط وثيقة بالعملية السياسية الجارية على صعيد البلاد كلها دون تحفظ، كما أنه لا يجوز النظر إلى هذه العملية كما لو أنها تجري في مكان بعيد من العالم ولا تعنيهم في شيء. إن هذه العملية تعنيهم وتعني القضية الجنوبية، ففي سياقها فقط يمكن حل القضية الجنوبية. ونجاحها في الحفاظ على كيان الدولة يعد ركناً أساسياً في توفير الشروط لحل هذه القضية. أما إذا حدث الانهيار فإن الجنوب سيجد نفسه تائهاً ومتخبطاً ومقسماً وسط هذا الانهيار؛ ربما أكثر من الشمال. إن على القوى السياسية الجنوبية المنخرطة في الحراك السلمي أن تعي تماماً أن كل العوامل المؤدية إلى انهيار كيان الدولة ستنعكس سلباً على الجنوب، بسبب هشاشة الوضع السياسي والاجتماعي، وكثرة اللاعبين، وكذا الحسابات المتناقضة التي تتحكم في هؤلاء اللاعبين. لذلك فإن من مصلحة الجنوب وقضيته ألا ينهار كيان الدولة، وألا تبقى في صيغتها الهشة القائمة. وعلى قوى الحراك السلمي ألا تقف موقف اللامبالاة مما يحدث باعتباره شأنا شمالياً كما يقول البعض. وفي هذا السياق، يمكن أن تتأسس الدولة الاتحادية من إقليمين، وعلى الجنوب أن يتعامل معها باعتبارها خطوة حاسمة وضرورية لاستعادة المبادرة السياسية والشعبية لوضع القضية الجنوبية في مكانها الصحيح. أما القوى السياسية في الشمال فإن عليها أن تدرك تماماً أن السير في نفس الطريق القديم، وبنفس المنهج المتعالي على حق الشعب في تقرير خياراته السياسية، كما ورد في وثيقة الحلول للقضية الجنوبية ضمن مخرجات الحوار الوطني، لن يزيد المشهد إرباكاً فحسب، وإنما سيضع البلاد كلها أمام استحقاقات شعبية لن تستطيع “الدولة” أن تواجهها بأدوات القوة التي كانت تعتمد عليها، ما سيؤدي بالنتيجة إلى انهيارات أكثر خطورة، يسبقها تفكك اجتماعي مدعوم بحروب محلية بنكهات طائفية وجهوية ومناطقية، وغيرها من المواجهات المسلحة بطابعها الإرهابي والثأري وتصفية الحسابات من منطلقات متباينة الأهداف. وسيبقى البارود عالقا بجدارية الحلم بوطن قد نخسره قبل أن نبذل أي جهد حقيقي لتشييده.
عن: الاشتراكي نت

زر الذهاب إلى الأعلى