العرض في الرئيسةفضاء حر

ارشيف الذاكرة .. أحداث يناير 1986 .. خالة “خدوج”

يمنات

أحمد سيف حاشد

محمد قائد هاشم أو كما هو متداول في عدن محمد الحربي هو ابن عم أبي .. غادر والده القرية إلى عدن مبكرا، و عاش فيها حتى توفاه الله .. ولده محمد تنشّأ و كبر في عدن .. أنا لا أعرفه، و لم أزره غير مرة أو مرتين بمعية والدي الذي أراد أن يقول لي: لك هنا في عدن أهل و أقارب .. حدث هذا قبل شهور من أحداث يناير 1986 وجدناه لطيفا و مهذبا و خلوقا معنا، و مرحّبا بنا .. تطبّع بحياة المدينة و روحها .. ملامحه جاذبة تشعرك بالاطمئنان، و إن كان مقلّا في الكلام..

زرتُ زوجته الخالة “خدوج” بتاريخ 20 يناير 1986 على الأرجح .. بديت عليها بطلّتي، و تطلّعت هي لمجيئ برجاء هده اليأس و المخاوف .. رأت فيني النجم سهيل، و ظننتني قدرا من فرج، غير أن الليل كان موحشا و عبوسا و مكتظا بالكآبة التي تخبو تحتها ما هو أشد..

غريق يبحث عن قشة يرى فيها طوق نجاة، و لا نجاة مع ما كتبه المستحيل .. ليس من السهل أن تعرف هو في أي محبس، فما بالك بنجاة حباله ليست طوع يديك، و لا تملك من أمر زمامها شيئا..

إنه حال يشبه ما نعيشه اليوم، إن لم يكن اليوم أشد وطأة و أكثر وجعا من سابقه .. كان هناك حبس و إعدام خارج القانون، و لكن اليوم صار الحبس و الإعدام و الفساد مجتمعين .. كان يُحبس في الأسرة أحد أفرادها، أما اليوم فيتم حبس الأسرة كلها، و أسرة اقبال الحكيمي مثال غير بعيد .. كان فساد الأمس محدودا و يحتاج إلى عدسة تكبّره لتراه، أما فساد اليوم فبعرض السماء و الأرض .. حدث و لا حرج..

الماضي سيء و الحاضر في جله بات أسوأ .. لتعرف فقط أين محبوسك عليك أن تبحث عنه حتى تدوخ .. كل جهة تحبس، و قد بات لدينا منها ما لا يُعد .. كل فرد فيها مهما صغر و تضأل شأنه بمقدوره أن يحبسك .. أسهل ما يفعله هو تقييد حريتك و التنكيل بك بألف عذر، و إن انبريت تدافع عن سلامة حجتك سحقك بالمثل “تريد عذر أو حمار”..

يحبسك ثم تنقطع أخبارك إلى ما شاء الله .. رجاءك ينتحب، و الخيبات أكثر، و أنت تبحث عن إبرة في كومة قش، و الإفادة عمن تبحث، هي في قبضة أمن سلطة تستبد .. و الأهم أن تجد نفسك اليوم في متاهة لا تنتهي .. لا تعرف تخاطب من..!! و تتظلم عند من..؟! و أين تشتكي..؟! و من بيده أمر اطلاق سراح من تبحث عنه..!!

في يناير 1986 أخذ المنتصرون زوج “خدوج” من بيته، و غيبوه في محبس مغلق و مكتوم، يشبه ذلك المحبس الذي وقفت على بابه يوم 18 يناير، و المحشورين فيه كـ”كومة لحم” معتبئه، لا يستطيع أحدهم أن يقف على قدميه، أو يبسط أنفاسه و هو قاعد .. عطاشا حد الموت، و مخنوقين حد الكفر البواح..

كان محمد يعاني مرض الربو .. مات اختناقا في محبسه كما قيل، أو هذا ما كشفه بعض رفقائه الذين حالفهم الحظ و كتب لهم النجاة من فك موت شَره .. اختنق محمد في محبسه المكتظ باللحم و الضيق .. فاضت روحه إلى بارئها بعد أن تحررت من قبضة الجلاد، و ترك جثته لدى سجانيه دليل إدانة يدمغهم بالقسوة و الإجرام و البشاعة..

أسرة محمد لا تدري إلى اليوم مكان مدفنه، بل و لم تتلق أي إخطار أو علم رسمي بما حدث .. ترك محمد أطفالا صغارا و زوجه ثكلى معذبة بالفقدان و الانتظار الذي طال..

“خدوج” تحمل من الحب لزوجها ما لا تحمله حاملة الأحمال في الأرض، و لا تحمله سحابة غيث في السماء .. تزوجا عن قصة حب فيه كثير من العبور و التحِّدي .. كلاهما كان يعملان في مؤسسة عامة مدنية، و كان للحب فضاء و مدار .. حبا بعضهما و تزوجا إلى الأبد .. خالة “خدوج” لا أروع من قلبها، و لا أطيب منه..

“خدوج” مسكونة بطيبة و صبر أهل عدن .. ياااااه كم أهل عدن طيبين و متسامحين .. كم هم لبعض عند الحاجة و الشدة .. علاقاتهم سوية و غامرة بالبراءة .. متصالحين مع أنفسهم .. يحملون قلوب نقية كالكريستال .. و صفحاتهم أبيض من ندف الثلج..

أهل عدن صابرين على كل الشرور التي قذفتها الرياح في وجوههم، و صبّتها الأقدار على رؤوسهم .. كم جنى المتوحشون على عدن و أبناءها الطيبين من الأحزان و الآلام و المآسي العراض.

في الحروب شرور و موت لا يشبع، و بعدها انتظار أحبه لا يعودون .. ما أشد و أقسى أن يأخذونك من بين أطفالك و أحضان زوجتك، ثم يغيبونك عن جميع من يحبونك، و يقطعوا عنهم كل أخبارك .. يغيبونك للأبد دون أن يقطعون رجاء عودتك إلى أطفالك و زوجتك .. كم يتعذب من ينتظر رجاء لا يأتي بما يرجوه، و أمل بعد صبر و انتظار طويل يستغرق العمر كله، ثم تكتشف إنك واهما، و أن الأمل الذي تعلقت به، أو راهنت عليه كان سراب في سراب..

كم تتعذب الزوجة عندما يقذف القدر بحبيبها للمجهول لمجرد رأي أو موقف يراه صاحبه إنه الصواب، ثم تظل تنتظره شهور و سنوات، و ربما بقية العمر مصلوبة على جدار الانتظار .. إنه عذاب جحيمي طويل، و درك أسفل من النار..

كثيرون هم الذين دفعوا ثمن أخطاء و خطايا غيرهم .. القادة الذين يرتكبون الحماقات المهلكة بحق الشعوب، و حتى بحق أنصارهم و اتباعهم الذي سلّموا وجهلوا ما حدث و يحدث، و تحملوا تبعات و أوزار ما لم يفعلوه .. الضحايا يذهبون إلى الموت و الضياع .. كثيرون هم الضحايا الذين تسوقهم قيادتهم في مقامرتها و مغامرتها إلى الهلاك و الجحيم .. كثيرون هم ضحايا الحروب و الأطماع و التسلّط و الشمولية المستبدة..

***

يتبع..

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى