العرض في الرئيسةفضاء حر

ارشيف الذاكرة .. ظلم سلطة وعدالة مستلبة

يمنات

أحمد سيف حاشد

(1)

خسائر استحثت منها روح المقاومة

هناك أحداث غير عادية تعصف بحياة الشخص، ولا يستطيع نسيانها، ليس لأنه حقودا أو أنه غير متسامح، بل لأنها تصل إلى أعماقه وتستقر، وتترك أثارها ندوبا في وعيه وذاكرته، وربما تستمر تعذّبه في حياته، أو تنكأ جراحه بين حينا وآخر، أو تلازمه طويلا في حاضره ومستقبله..

ربما تلك الأحداث تسبب لك كثيرا من الألم والوجع، أو تصير في حياتك أشبه بمن يتسبب لك بعاهة أو إعاقة دائمة تلازمك جل ما بقي لك من عمر، لاسيما إن لم يتم تطبيبك بما تستحق من العدالة التي تكون في أشد وأمس الحاجة إليها..

وأكثر منه أن يستمر الظلم يثقل كاهلك، أو تستمر أنت ترزح تحت وطأته الثقيلة، ويظل يراغمك ويريد منك أن تُذل وتخضع، بل ويحاول أن يفرض عليك أن تحتفي به، وتحتفل بزهو انتصاره على جرحك وألمك ومعاناتك المريرة..

شيء من هذا وذاك يشعرك بإحساس كثيف بظلم ساحق مدعوم باستمرار الخذلان أو طغيان السلبية من قبل تلك الجهات المناطة بها وقف الظلم عليك، وتحقيق العدالة التي تروم، فما البال وقد وجدت تلك الجهات هي الغطاء لقهرك وسحقك واستلاب حقك، أو تجدها تساهم في القى الظلم الثقيل عليك، واستلاب حقك في العدالة وفي الإنصاف الذي تبحث عنه ولا تجده..

عندما تخذلك جهات الضبط المناط بها تطبيق القانون، ويتحول القضاء المعني بإنصافك إلى أداة أو كرباج لإخضاعك وقهرك وسحقك دون وجه حق، أو تنحاز تلك الجهات والأجهزة إلى الظلم الواقع عليك، وتعمد إلى تأييده والانتصار له على حقك في العدالة، ويستمر إحساسك الحر والكثيف والجياش بهذا الظلم، وما يقابله أو تواجهه من خذلان وسياسة إخضاع لهذا الظلم، فمشروع لك بل ومن الواجب عليك أن تقاوم أو تثور أو تناضل ضد كل ذلك بألف ممكن ومتاح، وأكثر منه إن استطعت..

هذا وذاك حدث لي وعلى نحو غير معزول عمّا كان يحدث في السياق والشأن العام.. هذا الظلم الذي استمريت في مقاومته، بعد مقتل سائقي عادل في عام 2004 في عهد صالح، وما فعلته أيضا بعد الاعتداء علينا نحن والجرحى أمام مجلس الوزراء 2013 في عهد حكم ونفوذ حزب الإصلاح، وكذا ما فعلته بعد الاعتداء علينا في التحرير بصنعاء في 25 مايو 2017 في عهد أنصار الله.. الجميع مروا تقريبا على جسدي، وكنت ولازالت أقاوم بقدر ما استطعت من المقاومة وروح التحدّي ورفض الاستكانة والاستسلام..

***

مواقفي تلك بالتأكيد لم تكن بمعزل عن تراكمات سابقة ولاحقة في إطار سلسلة طويلة من المظالم، وغير معزولة عن الظلم الواقع على الناس وقضاياهم.. لقد كانت جميعها تندرج في إطار مقاومة الظلم الواقع على هذا الشعب المنكوب بحكامه، والذاتي هنا يصب في إطار الموضوعي والعام الذي كان حاضرا على الدوام في مقاومة الظلم والقهر والانسحاق..

وإن كانت لا تخلوا حوافزي الذاتية مما أعيشه وأمر به من قهر وظلم وتراكم مظالم، فالجدير بالملاحظة هنا أنني لم أعلق بمكان، ولم أقدم ذاتيتي على الشأن العام، ولكني أراكم ما يحدث لي، حتّى وإن أستمر الظلم على كاهلي طويلا، وأتجاوز ذاتيتي، وربما أخفق في كثير مما يخصني، وأراهن على العام، وأضيف إليه وأتعلم منه، ومما يحدث..

أهمل أحيانا بل كثيرا في الانتصار للمظالم الخاصة بي، أو أفشل في تحقيق نتائج مهمة فيها أو حتى في حدودها الدنيا، ولكن لا أنساها طالما ظل الظلم مستمر، وأمضي في المقاومة على نحو أو آخر دون أن أخضع أو استسلم مهما كان القدر ثقيلا، ودون أن يمنع هذا من أخذ استراحة محارب إن أقتضى الحال، أو التعاطي مع الأمر الواقع مرغما، دون أن يعني هذا بحال الاستسلام أو التسليم بأحقيته، بل وتظل نفسي تعافه، وتقاومه بألف طريقه وطريقة..

إنني أتجاوز ذاتيتي غالبا حتى وإن أستمر الظلم ثقيلا على كاهلي، ولا أسمح لشيء أن يقوقعني في ذاتي، أو يعزلني عن محيطي حتى وأنا أعيش غربتي المريرة أحيانا..

لا أنتحر فيما يخصني، ولا أعلق فيه كثيرا، رغم الندوب والجروح والتصدّعات التي حدثت، حتى وإن أستمر حضورها في قاعة وعيي ووجداني، فإنها تظل بالنسبة لي محفزات وطاقات تساعدني على الصمود وعلى الاستمرار في المقاومة وصنع التراكم على صعيد الواقع والوعي ضد القهر والظلم والاستبداد..

 (2)

عادل مات

“عادل مات.. عادل مات”.. هكذا جاءني الخبر من زوجتي المفجوعة عبر اتصال لها.. خبر مُقتضب وفيه كثير من الهلع.. جملة واحدة مكونة من كلمتين، تكررت على لسانها مرتين وثلاث، ومن غير مقدمات ولا ختام.. تدفق صوتها المتفجر بالوجع والمكتظ بالألم.. كان وقعه على وجداني لأول وهلة كالصاعقة أو ربما بما يشبه الزلزلة..

بدا لي المصاب جلل.. إنه أكبر منّي ومن قدرتي على تحّمله.. بدت اللحظة على نفسيتي داهمه.. وأكثر منها وجدتُ نفسي موزعا بين إحساسي بالصدمة المريعة، وذهولي ربما الغير مستوعب صدقية الخبر، واضطرابي الذي بدا خارج السيطرة، وشعور كثيف تملكني بما هو مريع ويفوق طاقة ما أحتمل..

حدث هذا بعد خمسة عشر يوما من الاعتداء عليه وضربه من قبل أشخاص كُثر، جلبهم ابن مسؤول كبير في وزارة الداخلية.. إنه المسؤول المباشر والأول المناط به مسؤولية حراسة المنشآت والشخصيات الهامة.. أمّا أنا فكان بالنسبة لي قدرا أسودا، غيّب نجله المراهق الذي كان أشبه بعزرائيل عزيزا حميما، دون أن يقترف هذا المجني عليه ذنبا أو يرتكب جريرة بحق الوجود، أو بحق أحد فيه..

أحسست أن صدري لا يحتمل هول الفاجعة.. شعرت أن لا مساحة في نفسي تتسع لمثل هذا الحزن الكبير، أو هذا الاحتمال الفاجع والمريع الذي يزلزلني.. أبت نفسي أن تقبل هذا الاحتمال أو تصدّقه.. حاولت أن أقطع ما سمعت، وأطلب من زوجتي أن تتأكد وتقول أي شيء آخر غير أنه مات، ولكنها ظلت تردد نفس الجملة بمزيد من الأسى البالع والهلع المنفلت، وصوتها المفجوع: “عادل مات.. عادل مات”

لم يعد يجديني التشكيك بيقين زوجتي أن عادل مات.. بدت لي بيقين قاطع وممتلئ، وأكثر منه لم تعطني فسحة إثارة أي شك بيقينها الراسخ.. إنه أخوها.. إنه الأن أمام عينيها جثة هامدة دون نفس أو حراك، وهي المفجوعة به، وربما قد حاولت هي نفسها أن تلتمس أي شك، ولكنها لم تجد غير حقيقة موته عارية.. ورغم كل ذلك ظل يجوس في صدري احتمال ضئيل فيه “لعل” و”عسى” و”ربما”.. هرعت مسرعا إلى البيت لأتأكد من حقيقة ما حدث، فوجدت عادل بالفعل قد مات إلى الأبد..

كان الوقت في حدود الساعة التاسعة أو العاشرة صباحا.. كنت قد غادرت المنزل إلى مجلس النواب.. فيما ابنته الصغيرة كانت تداعبه وتلاعبه وتحاول إيقاظه حد العبث، ولكنه كان دون نفس أو حراك.. لا أعرف كيف كانت صغيرته تحاول أن توقظه حيث لم تكن تعلم أنه قد مات، ربما قد أنقضى على موته سويعات خلت!

رحل بصمت غريب.. أنسل من هذه الحياة انسلالا دون أن نسمع منه آه أو احتظار.. غادر الحياة بغتة وبخفة قط مرق سريعة وخفية.. لم يستغث، ولم يطلب من أي منّا نجده أو حياة.. كأنه كان لا يريد إزعاجنا، أو أراد أن يخفف عنّا لحظة الرحيل.. لا يريد أن يعذبنا ونحن نراه وهو يحتضر ويغيب عنّا إلى الأبد.. شق عليه أن يرى في عيوننا لحظة الفراق والعذاب والهلع.. فاضت روحه بهدوء تام.. تصاعدت كنسمة بحر.. أرادت أخته أن تصحيه من نومه ومعها زوجته فوجدتاه قد فارق الحياة إلى الأبد..

نقلته على الفور إلى المستشفى الجمهوري بالعاصمة صنعاء، وهو نفس المستشفى الذي كنت قد أسعفته إليه في نفس يوم الاعتداء عليه، وتم تأكيد خبر وفاته على نحو يقيني وجازم.. فيما روحه ظلت تبحث عن العدالة المفقودة في وطن مُستلب، فلم تجدها ولم تجده حتى رحل النظام كله بعد سنوات لم تكن مديدة..

أصابني حزن عميق واكتئاب عارم وخيبة من العدالة بدت لي كبيرة ومهولة.. أحسست أن لي دخلا في الأمر أو بعض سبب بصورة أو بأخرى.. ظل هذا الشعور يعاودني ويؤنب ضميري تحت وطأة تأثير حساسيتي الكبيرة التي أرّقتني كثيرا، ولازمتني سنوات طوال..

كنت أعتب على نفسي داخلي وأقول: “لو لم أتخذه مرافقا وسائقا لي لما حدث له هذا المكروه الذي أصابه وقبض روحه.. الأقدار صنعت هذه النهاية له على نحو تجعلني أشعر بذنب وندم في آن.. تؤذيني فيه الأقدار، وتوقظني في كل حين..

ظلت تحتدم في أعماقي الأسئلة الكبيرة عن الحياة والموات والأسباب.. أحسست أن حياتي باتت تافهة لأن شخص ذهب بسبها إلى غير رجعة.. افتراضات قدرية كانت تحمّلني مسؤولية ما حدث بهذا الحد أو ذاك.. أحسست أن حياتي باتت عديمة القيمة والفائدة وقد أهدرت حياة مثلها أو بسببها..

منطقتُ الأقدار لتصيبني إحداها بشظية في مكين من روحي المتعبة.. علاقة سببية بوجه ما تحملني شيئا من المسؤولية بهذا القدر أو ذاك.. بدت لي الأقدار كالنرد وهي تتصادم ببعضها، وكان الحظ السيء حصادها وخيبتها وختامها.. ظل وسواسا قهريا يلاحقني ويربكني ويحمّلني بعض مسؤولية ما حدث..

كنت أقول لنفسي: لو لم أختاره أصلا مرافقا لي ولم أعمل على اصطحابه معي وأجعله سائقي ما حدثت هذه النتيجة السيئة التي أدّت إلى إزهاق روحه.. خالجني إحساس أنني ارتكبت خطيئة، أو كنت سببا في حدوثها بوجه أو بآخر.. لقد بديت أمام نفسي وأنا أعاتبها بمسؤولية الممسك بعصا “البلياردو” الذي أخطأ صاحبها في ضرب الكرات على نحو أدت إلى الخسارة..

***

(3)

طريق العدالة المسدود

عادل صالح يحيى كان في الثلاثينيات من عمره.. ذو جسد نحيل ومنهك.. وجهه الصغير تشكله خارطة تضاريس عميقة ومتعبة.. كل شيء فيه يشي إلى أنه واحد ممن عبروا دروب المعاناة في مستهل حياتهم وشبابهم، بل ولازالوا يعيشونها آنذاك وبالمؤكد.. جهاد متصل دون فسحة من رخاء أو قدر أنحاز أو مال إليه.. وجه بملامح شاحبه.. فجوات وأخاديد ونتوءات تحكي معاناة وظروف وكفاح صاحبه.. ينتمي إلى الفقراء المكدودين والنازفين في حياتهم المثقلة بالتعب وبالمعاناة..

كان جنديا ثم صف ضابط في معسكر صلاح الدين بعدن، وسائق لباص الضباط في المعسكر.. نشيط ومثابر وعملي إلى حد بعيد.. معتمدا على نفسه منذ سن مبكرة.. مكافحا ومعطاء وسخيا على أسرته.. هو وأخته الكبرى التي تعمل بالخياطة كانا تقريبا أكثر من تعتمد عليهما أسرتهما الكبيرة في عيشها المكافح..

عادل لم يكن مسيسا ولم ينتمِ لحزب، ولم يكترث بالانتماءات السياسية أو الحزبية، ولكن الأقدار وبحكم عمله وجد نفسه في حرب 1994 في المعسكر الذي كان مع الجنوب ضد سلطة الشمال التي أرادت فرض إرادتها على الجنوب وابتلاعه..

نجا من موت محقق في تلك الحرب، وتعرض لإصابات بالغة جراء قذيفة دبابة جاءت من القوات المهاجمة، وتعافى من إصاباته بعد شهور، وهي إصابات بالغة كانت ناتجة عن شظايا تلك القذيفة التي وقعت في معسكره، وأجريت له عدة عمليات جراحية، كان أكبرها تلك الاصابة التي طالت كبده..

***

بعد أن صرت نائبا في البرلمان أخترته في عام 2004 ليكون معي في صنعاء سائقا وصديقا ومرافقا لي دون سلاح.. وفي يوما مشؤوم من النصف الأول من العام كنت مدعوا إلى مقر السفارة البريطانية لحضور حفل أقيم هناك..

انطلقت بالسيارة عصر ذلك اليوم من مكان إقامتي في الحصبة أنا وعادل ومعنا مجيد الشعبي.. وعندما وصلنا إلى شارع كلية الشرطة تفاجأنا بسيارة تندفع نحونا من أحد الشوارع الفرعية مخالفة لقواعد المرور يقودها شخص بدا لي لأول وهلة مراهقا وطائشا..

حدث احتكاكا طفيفا بين السيارتين وأضرار لا تستحق الذكر.. غير أن ما حدث من تداعي وتصعيد من قبل الطرف الآخر كان يدعو للاستغراب والتساؤل بل والشك.. فلم يقتصر الأمر على العجرفة والفجاجة والرعونة في قيادة السيارة، بل بلغ في تداعيه أكثر من واقعة الاحتكاك التي حدثت، وكانت الأمور قد سارت في طريق الحل..

هذا الطرف الذي عمد للتصعيد دون مبرر لم يكن إلا نجل قائد المنشآت والحراسات الخاصة بكبار الشخصيات، والتابع لوزارة الداخلية، ومعه من كان برفقته ومن جاء معه لاحقا، وعلى نحو لا يخلوا من غرابة تدعو إلى كثير من الشك والاسئلة..

كان قد تم إيقاف السيارتين، وجاء رجل المرور الذي كان على بعد مائتي متر تقريبا من الواقعة، وطلبت منه أن يقوم بواجبه وفق النظام والقانون.. وحتى لا أتأخر أنا عن الموعد ذهبت وتركت الأمر ليعالجه زميلي مجيد وسائقي عادل ورجل المرور.. غادرت المكان بسيارة أجره بعد أن اعتقدت أنه لا يوجد ما يستدعي مكوثي في المكان، لاسيما وقد بدأ لي الحال يسير في طريق الحل والتجاوز..

وقبل أن تنتهي عشر دقائق أو ربع ساعة على الأرجح من مغادرتي المكان أبلغني سائقي تلفونيا وبصوت متهدّج ومذبوح أن ابن المسؤول جاء بأربع سيارات شرطة وجيش محملة برجال كثر يحملون عصي وجنابي وقد اعتدوا عليهما، وأوسعوه ضربا، وكانوا يبحثون عنّي، وكادوا أن يقتلونهما..

تركت السفارة والاحتفال وعدت سريعا في الحال إلى نفس المكان، غير أنني وجدت كل شيء قد أنتهى.. غادر المهاجمين المكان والذي كان مسكن ابن المسؤول ليس بعيدا عن موقع الحادثة.. تواصلت بوزير الداخلية رشاد العليمي، كما تواصلت مع نجلة محمد نائب رئيس  لجنة الحقوق والحريات في المجلس، وفيما كان اهتمام الأب وتفاعله مع بلاغي وطلبي ضبط المعتدين ضعيف، كان اهتمام نجلة أضعف بكثير، بل ومخيب لكل أمل..

وجدت نفسي بين رحى نفوذ رئيس المنشآت والحراسات الخاصة لكبار الشخصيات ونجله المعتدي ومن معه، وفي المقابل وزير الداخلية ونجلة من جهة ثانية.. وجدت نفسي تحت وطأة سلطة أمنية واحدة لا تريد لنا عدلا ولا إنصاف.. وجدنا حالنا أنا والمجني عليهما بين مطرقة وسندان..

حاولنا أن نلجأ إلى القانون ملاذ لنا، وطلبنا من النيابة التحقيق في الشكوى وضبط المعتدين إلا أن النيابة لم تفعل شيء غير إحالة القضية لأمن منطقة الوحدة.. لقد بدأ الحال أمامي يتكشف أكثر مما يمكن توصيفه بضعف الاهتمام..

ذهبنا إلى إدارة أمن منطقة الوحدة وأدلينا بما لدينا.. وأحضرنا ما استطعنا من شهود، وأثبتنا ما لحق بالمجني عليهما من ضرب واعتداء بتقرير طبي أيضا، وكنّا نتطلع أن تباشر الإجراءات الأمنية في متابعة المعتدين وضبطهم، ولكن كل يوم كان يتضح لي أن حاميها حراميها..

كل يوم كان يمر يتبدى لي إن العدالة مستصعبة.. نصف شهر يمر، ولم يتم توقيف أي شخص من المعتدين، ولم يتم رفع أو إحالة محاضر جمع الاستدلالات إلى النيابة العامة، فيما توفي المجني عليه عادل بعد خمسة عشر يوما من واقعة الاعتداء.

وفيما القانون يلزم أجهزة الأمن أن تحيل محاضر جمع الاستدلالات خلال 24 ساعة للنيابة العامة، وجدت نفسي وقد مرت 15 يوم دون أن يتم توقيف أو ضبط أو القبض على أي شخص من المعتدين، ولم يتم إحالة أي محضر أو قصاصة من الأمن للنيابة، بل كنت قد تفاجأت في أحدى المرات بإبلاغي بفقدان محاضر جمع الاستدلالات..

 كان كل يوم يمر يتبدى لي أكثر من سابقة أن العدالة مستصعبة وربما مستحيلة.. كل يوم كان يمر أشعر أكثر أن ثمة تواطئا مشتركا بين النيابة وأجهزة الأمن وأن هناك جهة أكبر تقف وراء هذا التعطيل.. وجدت نفسي كل يوم مثقلا بخيبة متزايدة، وخذلان مضاعف..

 بعد أن توفى المجني عليه عادل أتصلت بمدير أمن المنطقة لأبلغه عتبي وخيبة أملي وشدة صدمتي؛ فأجابني بصوت غير عابئ ولا يحمل وزناً لضحية مثل الغلبان المقهور عادل بقوله: (أنا لست موظفاً معك).. توالت الخيبات وباتت العدالة أبعد منال طالما كان الأمن منحازا بل وأشبه بالمكلف بتميع القضية وإهداراها..

***

وفي مجلس النواب قمت بجمع توقيعات من أعضاء مجلس النواب بشأن طلب موجه لهيئة رئاسة المجلس بتشكيل لجنة تقصي حقائق ومتابعة القضية لضبط المعتدين، غير أن الرئاسة أحالت الأمر على لجنة الدفاع والأمن، والتي أبلغني بعض أعضائها إن (المسؤول) قد حكّم باثنين بنادق..

وأكثر من هذا وجدت ضغطا من قبل البعض لأقبل بالتحكيم، بل وألمح أحدهم أن تقرير اللجنة سيقع مثل تقرير رداع.. لا زلت لا أعلم شيئاً عن تقرير رداع، ولكني فهمت أن الأمور ستأتي بما لا يسر إن لم أسر بإجراءات التحكيم.. وهكذا توالت الخيبات وبدت العدالة أكثر صعوبة..

ما زلت أسمع إلى اليوم حي المجني عليه قبل أن يموت وهو يطلب من ضابط التحقيق في أمن منطقة الوحدة أن يضبط المعتدين، وأن يأخذ القانون مجراه، بينما يقاطعه صوت موجوع أخر ويقول: لا قانون ولا يحزنون لمن ليس لديه سلطة أو قبيلة.. أنا لا أملك غير محاولاتي الباذخة بالفشل في وجه سلطة عنيدة، وكلمة موجوعة، وعزاء متشح بالحزن ومتلوي بالألم أقدمه لأم عادل المجلوطة والمشلولة، وأبنائه القصر وزوجته المكلومة وذويه المحزونين..

***

 (4)

وطن حزين وعدالة مفقودة

تحت هذا العنوان “وطن حزين وعدالة مفقودة” كتبت مقالا في قضية مقتل صهري وسائقي عادل، وفيه بعض التفاصيل المكتظة بالوجع اللاسع والقهر العميق، وتم نشر المقال في العدد 4182 من صحيفة الأيام، وأعدتُ نشره في 1 يونيو 2004 في نشرة “القبيطة” وأعيد نشر جل ما جاء فيه هنا؛ باعتباره بعض من واقع مرير عشته بإمعان، وكان له معنى عميق وتأثير بالغ في حياتي.. إنها إحدى المحن التي عشتها بمعاناة ثقيلة وأرق أستمر.. بعض من الظلم الذي أثقل حياتي المتعبة، وألقى بضلاله وتأثيره على الحقبة التي عشتها لاحقا ربما بإرادة منتحر، وبكلفة أكبر تعين دفعها حد النزيف الطويل:

“عادل صالح يحيى الذي قتل حزيناً ومقهوراً ويائساً من أن يطال نتف من حق مسلوب وعدل مفقود ضاعا بين سطوة القبيلة ونفوذ الفساد وتواطؤ الجهات المسؤولة وعجرفة بعض أبناء المسؤولين..

عادل.. لا يحمل مسدساً بل لا يحمل حتى سكيناً .. ليس له قبيلة تؤازره أو تأخذ بحقه أو تثأر له في دولة لا زالت القبيلة تنتعل القانون وتكتم أنفاس الوعي وتقتله خنقاً وشنقا..

عادل .. من أبناء عدن الطيبين المعهودين بالبساطة والنقاوة والمسالمة التي يذبحها كل يوم الاستقواء بالمال والقبيلة والسلطة وغرور الباطل وعجرفة الطائشين من أبناء المسؤولين.

حادث صدام طفيف وأضراره لا تذكر.. تم إيقاف السيارتين وجاء رجل المرور الذي كان على بعد مائتي متر أو أقل، وطلبنا منه أن يقوم بواجبه وفق النظام والقانون.

تدخل الناس وكادت القضية تنتهي على خير ويا شارع ما دخلك شر.. ذهبت أنا الى وجهتي وتركت الامر والحل وشيك..

افضل ما يمكن أن يقال بحق ابن المسؤول انه أستكثر أن يستوقفه رجل المرور لدقائق على قارعة الطريق.. وقبل أن تنتهي عشر دقائق يبلغني المجني عليه بصوت مذبوح وقلب مفطور أن ابن المسؤول الذي لا يتجاوز عمره العشرين سنة قد جاء بأربع سيارات شرطة وجيش محملة برجال كثر بعصي غلاظ و جنابي حداد..

لقد أستأسد عشرون (رجلاُ) على اثنين عزل من السلاح لا يحملان معهم حتى عود عنب، ولا يحلمان بغير أن يريا النوارس واسراب الحمام تطير في سماء وفضاءات الوطن الحزين..

انهالوا عليهما بالضرب والركل واستباحوا وعاثوا بكل شيء اسمه إنسان.. لم يتركوا لهما فرصة يسمعون منهما منطق أو حجة، بل ولم يتركوا لهما حتى فرصة الهروب من الجنابي التي كادت تقتل لولا تدخل بعض المارة الذين حالوا دون ان تصل الى أجساد المجني عليهما.. و لم يفلحوا بالوصول الى النائب الذي كانوا يبحثون عنه.

احد المجني عليهما تحفظ عن التصريح باسمه لأنه شعر بمرارة لا تطاق وانكسار لا حدود له.. لا تحزن يا عزيزي.. أنهم أبطال من ورق، وإلا كيف لعش دبابير أن يهاجمون نحلة.. معادلة غير متكافئة في وطن يستبيح فيه المال وعربدة المسؤولين وسلطان القبيلة كل شيء.. وأول ما يستباح هو كرامة الإنسان لأنها في قواميسهم أسهل من السهل غير الممتنع، وأرخص من حزمة بقل…

نعم .. يبدون أمامنا ديناصورات لأننا عاشقون للورد وحالمون بالسلام، ولكنهم في الحقيقة أمام من هم أقوى منهم زيف وهراء وخواء مخجل.. كل يوم ينكسرون أمام العدو عشرات المرات.. قواهم تخور، وسلطانهم يتهالك، وعزيمتهم تموت قبل أن يبدأ العدو معهم أول نزال.. فلا تصدقوا هراهم فهم أجبن من فأر..

ولأنكما مسالمان كتب عليكما أن تكونا مجني عليكما، ولن تكونا غير ذلك لأنكما تحملان مناديل بيضاء وعصافير ملونة وقلوبا أنصع بياضاً من القطن وندف الثلج..

عدت بعد ربع ساعة الى مكان الاعتداء ووجدت سماء من حزن وجرح يتسع لوطن مقهور ومعذب، وإنسان يقبض على وجعه.. والأخر أشلاء ووقار ممزق.. غير أن ما يحز في النفس أكثر أن تجدهما يداريان عنك جراحهما الغائرة، ويمعنان في الحرص أن لا تصيبك شظية حزن أو شرر من وجع مما حل بهما.. أنه الحب والأحبة، ونبل المشاعر وبعض من نبوّة..

عدت وقد انتهى كل شيء والمجني عليهما قد شربا كأساً من علقم وكاسات من الانكسار الحزين و شربت معهما من الانكسار كؤوسا..

لجأنا للقانون عساه أن ينصفنا، و طلبنا من النيابة التحقيق في الشكوى وضبط المعتدين غير أن النيابة المختصة أثرت إحالة القضية لأمن منطقة الوحدة لأنها ربما لمحت فيها ما يعكر صفوها ويوجع رأسها.

استمعت إدارة أمن منطقة الوحدة لأقوال المجني عليهما وكذا أقوال بعض الشهود وكنا نتطلع أن تباشر إجراءات متابعة المعتدين وضبطهم ولكن ظل ذلك منا أمر بعيد المنال..

نصف شهر يمر و لم يحرك أمن المنطقة ساكناً ولم يتم رفع محاضر جمع الاستدلالات للنيابة.. وعندما سألنا عن مصير القضية قال لنا أحدهم في درج المدير…

عندما ألححنا على مسؤول طيب في المنطقة بمتابعة وضبط المعتدين أعرب عن خوفه وخشيته أن يتحول الى شاوش.. فقلت لنفسي: إذا كانت أجهزة الأمن لا تجرؤ على سؤال أبن مدير فكيف يكون حالها مع ابن الوكيل وابن الوزير و لا أزيد..؟!! و إذا كان هذا يحدث مع نائب فكيف يكون الحال مع المواطن المغلوب الغارق في الهم اليومي والمخنوق بحبال الفقر والنكد وسطوة الحاجة..؟!!

بعد نصف شهر من وجود القضية في أمن المنطقة وبعد أن يئسنا من أن تقوم إدارة الأمن برفعها للنيابة أو باتخاذ أي إجراء ضد المعتدين، و بعد أن لقى المجني عليه حتفه أتصلت بمدير أمن المنطقة لأبلغه عتبي وخيبة أملي وشدة صدمتي؛ فأجابني بصوت غير عابئ لا يحمل وزناً لضحية مثل الغلبان المقهور عادل: (أنا لست موظفاً معك).. بعدها أدركت أن هذا الخطاب يقف وراءه دعم وسلطان وتعالي مسؤول.. نعم هذا يحدث مع نائب فكيف الحال مع المواطن المكدود الذي تسحقه الظروف ويطحنه الواقع الطافح بالفساد والقبيلة وعنترية المسؤولين.

ولا أخفي سراً إن قلت: لقد كنت أتمنى أن تعلم وزارة الداخلية لمثل هؤلاء مادة القانون ولكن صرت أتمنى اليوم أن تدرسهم الذوق والأخلاق مع المواطن، لأن المصيبة أكبر والأمر جلل عندما يجتمع الجهل مع عدم الذوق في رجل يفترض أن يحمي كرامة وحرية و دماء وأعراض الناس.

وللحريات أحزان وماسٍ أخرى.. لقد أتصلت بعد سويعات من وقوع الاعتداء بواحد ممن يدعون أنهم حماة الحقوق والحريات، وأخبرته بقلب دام بما حدث، ولكنني يا ليت ما فعلت، فقد تلذذ الرجل بما حصل، وعرفت أنه مدع عابث لا يعرف للحقوق والحريات طريق، بل هو رجل أمن لا زال يعيش بعقلية الحرس القديم التي كانت تصول وتجول في حقبة السبعينات والثمانينات رغم أنه لازال حديث عهد..

وفي مجلس النواب قمت بجمع حملة توقيعات من أعضاء مجلس النواب لهيئة رئاسة المجلس بلغت أكثر من تسعين توقيعاً على عريضة يطلبون فيها من هيئة رئاسة المجلس تشكيل لجنة تحقيق ومتابعة وضبط المعتدين، غير أن الرئاسة أحالت الأمر على لجنة الدفاع والأمن والذي أبلغني بعض أعضائها إن (المسؤول) قد حكّم باثنين بنادق.. وضغط البعض لأقبل التحكيم، بل وألمح أحدهم أن تقرير اللجنة سيقع مثل تقرير رداع..

لقد حاولت دون جدوى أن أفهم بعض (الناصحين) وغيرهم أن أبن المسؤول وجماعته ما كانوا يجرؤون على فعل ما فعلوه لو أدركوا أن القانون يطالهم ولو بحبس يوم واحد، وعرفت أن فلسفتهم تقول: أكسر كرامة المواطن الطيب والغلبان كعود ثقاب ثم أسليه وارضيه بذبح شاة أو عقر ثور.. ويظل هو الشامخ على مر السنين .. ظافراً ومنتصراً على الوطن البائس والمواطن الغلبان.

نصحني أحد الزملاء أن أحتاط وأبحث عن بعض القتلة وقطّاع الطرق ليكونوا لي حراسا ومرافقين وأعواناً أصون فيهم كرامتي وحياتي وحياة وكرامة من معي مثل ما يفعل أخرون، ولا بأس أن أعتدي على من هو أصغر مني إن شئت.. فقلت له لن أفعل و إن ظلوا هم كذلك يفعلون.

 وما زالت رحلتي مع العدالة المهترئة مضنية وشاقة، وما زلت في أول الطريق، وما زلت أطالب بضبط بقية المعتدين وهم كثر، وطريق العدالة في بلادنا متاهة لا تنتهي، وقد ينتهي بك العمر قبل أن تطال أريجاً منها.. ولكن هذا قدرنا في بلد لا زال قدرها يعبث به المال والجاه والفساد وسلطة القبيلة وبعض أبناء المسؤولين….”

***

(5)

برغْمِ النزيف..!!

في قضية المجني عليه عادل ما كنت لأصل إلى شيء، وعندما توفى استمريت ببذل كل مجهود واستطعت تحويل قضيته إلى رأي عام، وخرجت بقرار اتهام وإن كان هشا ضد ثلاثة من قوام عشرة أو عشرين معتدي..

ما أعرفه أكثر أنني واجهت أنا وأسرة المجني عليه ضغوطا شتّى خلال مسار القضية، ومخاوف أم عادل المشلولة على حياتي ظلت تتنامى وتكبر، وكانت لمشيئتها ورغبتها وضع النهاية للمسار بخيارين، أما بترك الأمر لعدالة السماء، أو بالتنازل بأي تعويض ممكن.. قلق أستمر وتزايد ومخاوف ظلت تكبر من خسارة أكبر، ومقامرة ربما يتم فيها خسارة كل شيء..

ما أعرفه أنني لم استطع إحضار شهود مؤثرين في الواقعة إلى النيابة والمحكمة بسبب نفوذ الجناة والسلطة التي تقف وراؤهم.. حاولت كثيرا دون جدوى، رغم أن الجريمة كانت مشهودة.. ترددت كثيرا إلى المحلات التي وقعت أمامهم جريمة الاعتداء والضرب، ولكن لم أجد أي شاهد ممن أبحث عنهم.. تهرب الجميع، وضغوط أستمرت كانت تتم على نحو مواز ومسبق.. وجدت نفسي ربما أشبه بمن يستجدي أمل في خرابة..

وبعد يأس من استمرار حبس الجناة بسبب ضغوط شتّى ـ هذا إن كان قد تم حبسهم أصلا – والتهديد بخسارة القليل والكثير، والحيلولة دون المقامرة بخسارة كل شيء، وحتى لا أغامر وأقامر في حقوق أسرة المجني عليه بالتعويض،  وكذا تدخل الشيخ سلطان البركاني.. وكان أكثر ما يمكن الحصول عليه من تعويض أولياء الدم يومها هو مليوني ريال، مليون تم دفعه من والد الجاني الأول، فيما تعهد الشيخ سلطان البركاني خطيا للمحكمة أن يدفع المليون الثاني، والذي للأسف لم يدفعه إلى اليوم، بل وإلى الأبد..

اكتفى القاضي بمدة الحبس التي لا يتجاوز في حال حدوثة الشهر أو الشهرين على الأرجح، وتم معه أسقاط الحق العام أو حق المجتمع بتلك المدة القليلة من الحبس التي لا تستحق الذكر..

شعور مرير أن تجد الظالم مدعوما بالسلطة، بل وتجد السلطة هي الظلم كله، أو تجد الظالم يستخف بك أو يستهتر بحقك أو يمنعك من الوصول إليه، ويتعمد تكريسه بأقوال وأفعال ووقائع مستمرة ضدك، وتراه يريد سحقك، أو اخضاعك، أو اذلالك، أو تكريس سلطته الظالمة عليك، ورفضه إنصافك ورفع الظلم عن كاهلك.

اعتبرت قضية المجني عليه عادل واحدة من القضايا التي خسرتها، وكانت الخسارة تلاحقني حتى في القضايا الخاصة بي ولا تقل عنها وطأة، ومنها قضية الشروع في قتلي أمام مجلس الوزراء في مستهل عام 2013 والتي لم أظفر فيها بشيء من عدالة، وانتهت تقريبا إلى لا شيء، ومثلها قضية الاعتداء على الجرحى والمتضامنين معهم أمام مجلس الوزراء في نفس التاريخ.. ومثل هذه وتلك قضية الاعتداء من قبل سلطات الأمر الواقع على المحتجين في ميدان التحرير يوم 25 مايو 2017 على قطع رواتب الموظفين والمتقاعدين، وضد إقرار جرع المشتقات النفطية، ورفض رفع الدعم وضد حكومات أسياد الحرب.. ذلك الاحتجاج كانت قد دعت إليها حركة 20 مايو .. جميع تلك القضايا وغيرها ماتت في النيابة أو في محكمة أول درجة..

رغم خسائرنا تلك إلا أن تلك القضايا لازالت حاضرة في وعيينا نستزيد منها روح الصمود والمقاومة ضد الظلم والاستبداد والطغيان أي كان مصدره وصاحبه.. وسنواصل النضال ونستمر بالمقاومة من أجل وطن ومواطنة وعدالة وحرية ومساواة للجميع في دولة مدنية حديثة وديمقراطية..

وأختم قولي عن عادل وأمثاله من الضحايا بقول نزار قباني:

“برغْمِ النزيف الذي يعتريه

برغمِ السهام الدفينةِ فيه

يظلُّ القتيلُ على ما به

أجلَّ وأكبر من قاتليهِ !”

***

يتبع

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى