فضاء حر

ارشيف الذاكرة .. الصف السادس ورحلة صعود الجبل

يمنات

أحمد سيف حاشد

صرت منقولا من الصف الخامس إلى السادس .. لا معنى لدراستك إن لم تجتز الصف السادس .. اجتيازك للصف السادس هو الأهم في الست السنوات الأولى من التعليم الابتدائي .. نجاحك في السادس ابتدائي يعني تتويج لحصيلة جهد ست سنوات دراسية..

الصف السادس امتحانه وزاري .. إعداد أسئلة الامتحانات و تصحيحها أو البت في إجاباتها لا دخل و لا شأن فيه للمدرسة أو للمعلمين فيها أو لمديرها.. الأسئلة تأتي من وزارة التربية و التعليم في صنعاء مظروفه و مغلقة لا يعرفها أحد غير من يعدّها في الوزارة، و كذا تصحيح الإجابات يكون حكرا على المختصين بالتصحيح في الوزارة أيضا..

تجاوزك للصف السادس معناه إنك أتممت المرحلة الابتدائية، و انتقلت إلى بداية مرحلة الإعدادية .. اتمام الابتدائية يعني أنك تصنع الفارق الأول في مسار دراستك .. إنه فارق الانتقال من مرحلة أدنى لا تستطيع من دونها الولوج في مرحلة أخرى أكثر شأنا و أهمية .. اكمال المرحلة الابتدائية معناه أنك تسجل انتصارك الأول على جهلك في معركتك الأولى التي تستغرق من عمرك ست سنوات طوال، و من ثم الإعداد لمرحلة انتصار أخرى تستمر ثلاث سنوات، و هي مرحلة الاعدادية..

كانت شهادة صف سادس تعني لي الشهادة الأهم في الست سنوات من التعليم، و بدونها ستحل الخيبة التي تهدد مستقبلي التعليمي بالضياع و الخسران .. و لكن لا يوجد صف سادس في مدرسة الوحدة، و لا يوجد صف سادس في مدرسة شعب، و لا ماء و لا زاد لرحلة و رحال إلى الصين، و لا وسيلة و لا حيلة للوصول .. فكانت وجهتي هذه المرّة إلى مدرسة المعرفة في “ثوجان” مسقط رأس مرشد الإخوان ياسين عبد العزيز.

كان عليّ أن أقطع مسافة قرابة الثلاثة كيلومترات حتى أصل إلى أسفل الجبل الذي يتعين أن أجتازه بالصعود إلى شاهقه، ثم أنزل منه من الاتجاه الآخر، ثم أقطع بضعة كيلومترات أخرى لأصل إلى مدرسة “المعرفة” في ثوجان، بعد عناء و مشقة، ثم يكون الإياب بإرهاق أكثر، و ضنك أشد..

كنت في أول صعود الجبل ابدو كالطفل الذي يريد أن يمتطي جملا يقف على قوائمه .. الفارق بين قامتي و قامته كان أشبه بالمستحيل، و لكن لا خيار أمامي إن أردت إنجاز المرحلة إلا أن أكسر تحدي هذا الجبل كل يوم ذهابا و إيابا .. لابد من الوصول إلى المدرسة و العودة إلى البيت ست أيام في الأسبوع .. كان يذرعني الإنهاك كل يوم في الصعود و الهبوط .. يجتاحني التعب طولا و عرضا مع كل يوم دراسي .. كان لابد من أن أقطع مسافة تزيد على الثمانية كيلومتر ذهابا، و مثلها في الإياب..

كان لابد أن أوطن نفسي بإصرار عنيد يستبسل في وجه كل المحبطات .. خمس سنوات طوال من الدراسة و الجهد المبذول ستبدو باليأس مهدرة .. لن أسمح لليأس أن يهد عزيمتي، و معها خمس سنوات خلت من الجهد و المعاناة الأشد .. لن أسمح للإحباط أن يتسلل إلى روحي المتعبة .. عليك بالجلَد .. التعب أولى بالاختيار عندما يكون البديل أن يستبد بك الجهل، و يضيع منك مستقبلا تنشده .. ربما هكذا حدثت نفسي..

عندما أصل إلى شاهق الجبل كنت أرى المناظر البعيدة التي تحول موانع التضاريس أن تراها من أسفله أو من الأودية التي صرت أراها من شاهقه فجاج و قيعان سحيقة .. من القمة ترى الطبيعة شرقا و غربا على نحو مختلف .. ترى ما لا تراه من أسفله .. كان اجتياز الجبل يحاكي كل يوم الانتقال الدراسي الذي أنشده..

الأشياء من على ظهر الجمل تراها غير ما تراها و أنت تسير على قدميك بحذاء مهتري، و ربما من غير حذاء .. الاستراحة في نجد الجبل استمتاع بعد إعياء الصعود .. حدج بنظرك و جول شرقا و غربا من شاهقه .. في قمة الجبل تبدو كالصقر و أنت تحدّق و تمعن النظر في البعيد و القريب، و في التفاصيل التي باتت تحت قامتك .. في القمة تبدو مكللا بمعاليك، و جلال قدرك، و فخامة هيبتك..

الشعور الذي تمنحك إياه القمة آسر و جميل .. النظر من القمة خرافي و ممتع، حتى و إن وصلت إليها و أنت مهدود الحيل .. فسحة قليلة تعيد لك كثير من نشاطك و طاقتك و قوتك طالما ما تروم يستحق الصعود و الوصول..

طلبت إدارة المدرسة من كل طالب في الصف السادس صور شخصية للملف و الاستمارة و الشهادة، و كان الطلب عصيا علينا حيث لا توجد معامل تصوير في قرانا و مناطقنا، و لا حتى في “شعب” و “طور الباحة” .. أقرب مكان فيه معمل تصوير كان في “الراهدة”..

كان أبي قلقا أن أذهب للتصوير في “الراهده”.. هروب أخي من صنعاء نهاية الستينات، و الذي كان يومها برتبة نقيب على الأرجح، جعلت أبي يتوجس خيفة من اختطافي إن ذهبت إلى “الراهدة” رغم صغر سني..

بعد تفكير طويل و تنسيق سمح لي والدي بمعية بعض الطلبة، و بعد الوصاية و العناية المسندة من والدي للأستاذ عبده أحمد طالب (الطالبي) سمح لي بالذهاب إلى “الراهدة” للتصوير و العودة بسرعة دون تأخير، و تم الأمر دون أن يحدث لنا مكروه..

إجمالا كانت سنة مضنية، اجتزت بها مرحلة الابتدائية، و حصلت على نتيجة 302 من 500 درجة .. يومها رأيت في هذه النتيجة إنها جيدة و مرضية .. ثم واصلت دراسة الإعدادية ثلاث سنوات في مدرسة الشهيد نجيب في طور الباحة..

***

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى