فضاء حر

ارشيف الذاكرة .. كلية الحقوق .. مناهج البحث والخذلان

يمنات

أحمد سيف حاشد

• بدأتُ التمرد في طفولتي بسؤال برئ، ولمّا تم قمعي وزجري، او تم الرد على السؤال بكذبة لم تنطلِ، أو أنطلت، ثم تكشّف كذبها، تكاثرت الأسئلة، وتناسلت كالضوء في الليل المدلهم بالسواد، تتحدى قاتم الظلام ووحشته، ولم تستطع سلطة القمع الثقيل، وأبوية السلطة الكبيرة، إخماد أنفاسها، وإن استطاعت لبعض الوقت إخراسها، أو تأجيلها بحبل الكذب القصير، لكنها ظلّت في جذوة العقل متأججة، تقاوم الموت والإخماد، وتشتعل في كل بُعد قصي، تبحث في الوجود عن جواب، وفي محبس الصدر المكبل بما هو أشد من الحديد، ظلّت تجوس وتعتصف، ولم تهدأ حتى تجد شافي الجواب..

• كانت مناهج البحث العلمي في كلية الحقوق، من أهم المواد التي أُشغف بها، وتثير كثير من الفضول والأسئلة.. تعلّمت منها أنها أداة العلم الغزير، ومصنع إنتاج المعرفة.. هي العون الأهم في تقدُّم كل العلوم، وهي الوسيلة التي تعيين، وبها نستعين، للوصول إلى مراسي المعرفة، بمنهجية، تكشف الجديد، وتجيب على الأسئلة..

• كنت أقتني ما استطعت من الكتب، وأضيف ما تيسر لمداركي، والكشف عمّا أجهله، ولا أنحصر بما تقرر في الدرس ومراجعه، وأسعى دوما للاستزادة من هنا أو هناك، وكل الأمكنة.. أذهب شغوفا إلى المكتبة.. أقرأ في مناهج البحث، وما يعينني على اكتساب المعرفة، والوصول إلى الجواب.. مناهج البحث هي الطريق الأهم، للإجابة على الأسئلة المستعصية، والباحث عن الحقيقة غير آهل إن لم يتجرد من الركام والعوالق والعواطف، وكلما يزيّف الوعي أو يشوّهه..

• كانت درجاتي في اختبارات مساق مناهج البحث ( 4 من 5 ) ، ومع ذلك ليس من السهل أن تنتزع مثل تلك النتيجة، من أستاذ المادة الدكتور أحمد زين عيدروس.. كان لدى هذا الأستاذ فلسفة خاصة في منح الدرجات، حيث يرى أن المؤلف فقط هو من يتم منحه خمسة على خمسة، أما الدكتور الذي يدرِّسها لطلابه، فلا يستحق غير أربع درجات من خمس، أمّا الطالب المتفوق فلا يجب أن يمنح أكثر من ثلاث درجات، ومع ذلك كان إذا ما وجد طالبا ملمَّا ومجتهدا وقارئا باستفاضة، يعطيه أربع درجات أي جيد جدا، وهي درجة نعتبرها وكذا الأستاذ مستصعبة، ولا يبلغها الإ قلة قليلة من الطلاب بشق الأنفس..

• لقد ظفرت في مادة مناهج البحث بنتيجة 82 من100 درجة، وهي ربما الدرجة الأعلى في نتائج طلابه.. لقد كان الدكتور أحمد زين أشد بخلا من الأستاذ حامد، حيث حصدت نهاية العام في مادته “نظرية الدولة والقانون” 88 من 100 درجة وهي تقريبا أعلى درجة منحها الأستاذ حامد لطالب في تلك الدفعة.. الدكتور أحمد زين والأستاذ حامد كان الأكثر تشددا في منح الدرجات بالكلية.. كان التعليم قويا، والمثابرة لازمة، والدرجات عزيزة، وأنت تبذل جل جهدك لتبلغ ما أمكنك بلوغه، وهو أقرب إلى الانتزاع منه إلى كلمة “حصاد”..

• أستاذ مناهج البحث أحمد زين عيدروس، الأستاذ النحيل، المائل إلى السمرة، الفاهم لمساقه، كان حذرا من الولوج في السياسية المدججة بالقمع، ربما لأن اعتقالا طاله ذات يوم، وكان متحررا من الأيديولوجيا، لازلت أتذكره وهو يحثنا على أن من يريد البحث منّا فيلزمه الحياد والموضوعية والتجرد، بل ووجوب رمي كل القناعات والتصورات المسبقة إلى الخلف ولا يستدير إليها..

• وفي مثل هذا يقول الفيلسوف، والعالم الرياضي والفيزيائي الفرنسي رينيه ديكارت: “إذا أردت أن تكون باحثا مخلصا عن الحقيقة، من الضروري أن تشك في كل شيء لأقصى درجة ممكنه، على الأقل لمرة واحدة.” ويضيف: ” الحواس تخدع من آن لآخر، ومن الحكمة ألا تثق تماما فيمن خدعك ولو مرة واحدة.”

• ما تعلمته في مادة مناهج البحث بالجامعة، أفادني إلى حد بعيد لاحقا في دراستي في المعهد العالي للقضاء.. جئت من مدرسة أخرى لأصطدم بمدرسة تقليدية عتيقة، وغارقة في ماضي لا يعود، والأسوأ أن أكثر بحوثها في الحيض والنفاس والطهارة والصلاة الوسطى، والعبادات عموما..

• في معهد القضاء أثناء الدراسة كنت إذا ألقيت سؤالا أو حيرة أو تسألت عن تناقض ما، شاهدت زملائي في الفصل الدراسي ينقسموا غالبا إلى قسمين سنة وشيعة، دون أن يعلنوا هذا الانتساب، ولذلك حبيت أن أخوض في هذا الانقسام، ولكن باختيار عنوان لبحثي ابتدأ، ثم باستخدام مناهج البحث العلمي الذي تعلمتها في كلية الحقوق بعدن، وكان حالي مثل الذي أقتحم عش الدبابير..

• تناول البحث على نحو رئيس جانبين الأول يتعلق بالصراع السياسي في صدر الإسلام، والثاني نظام الحكم القرشي واشتراط النسب القرشي في الولاية العامة.. عرضت هذا البحث بعد تطويره، على الأستاذ الدكتور أبو بكر السقاف، وفي الإهداء أشرت إليه وإلى عبد الحبيب سالم..

أُعجب به الدكتور السقاف، وأشار إليه ثلاث مرات في كتاباته، وحثني أكثر من مرة وفي أكثر من لقاء على نشره، وتمنى أن أضيف له فصلا يتناول القرابة والقبيلة في نظام الحكم القائم تلك الفترة في صنعاء، على غرار ما فعلته مع نظام الحكم القرشي، وعندما كشفت له عن مخاوفي، كوني أستعدى الجميع، قال: “إن البحث يحتاج إلى اقتحام المخاطر”..

لقد أحجمت عن نشر ذلك البحث إلى اليوم، في واقع مجتمعي متخلف، ونظام قانوني سائد أكثر تخلفاً، ومع ذلك لا زال في الزمن بقية، وقد بات الحاضر أشد وأدا وأكثر وطأة وفتكا ومخاطر من الماضي.. وينطبق عليه إلى حد بعيد قول الشاعر عبد العزيز جويدة:
“هذا زمان الأغْبياء ، والويْل كلُّ الويْل لمن فهِم.”

وكنت قد عدت بعد عام أبحث عن بحثي المودع في مكتبة معهد القضاء فلم أجده.. كل البحوث في الحفظ والصون إلا بحثي لم أجده رغم تكرار محاولة البحث عنه في فترات مختلفة.. ومع ذلك ظل البحث لدي جاهزا لإصداره في كتاب منذ قرابة الخمسة والعشرين عام، وكلما ظننت إن انفراجه ستأتي تناسب النشر، أجد ما هو أكثر خطرا ومغامرة وإنحطاطا..

يتبع..

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

زر الذهاب إلى الأعلى