العرض في الرئيسةفضاء حر

عن ابتسامة الشواحي وقبح الحرب

يمنات

أنس القباطي

عبد الله الشواحي كان ابرز معالم حارتنا في مدينة تعز التي هجرتنا الحرب قسريا منها قبل 8 سنوات..

لم اعرف بوفاة الشواحي إلا قبل يومين من نجله صديقي عبدربه الشواحي، عندما وقع نظري على منشور في صفحته على الفيسبوك فيه دعاء لوالده المتوفي..

توفى الشواحي في اغسطس 2022، وهو يحلم بالعودة إلى منزله في حارة الزهراء بحي كلابة، تلك الحارة التي تحولت إلى أطلال، ويبدو ان لعنة الموقع جنت عليها، كما جنت على اليمن الدولة، فحارتنا تقع إلى الغرب من معسكر الأمن المركزي، وإلى الشمال من القصر الجمهوري، على خط التماس بين المتحاربين، وكل ذلك جعلها تتلقى اكبر قدر من القذائف والطلقات والشظايا، وقبلها عشرات الغارات الجوية..

خلال عشر سنوات عشتها في حارة الزهراء كان عبد الله الشواحي ليس جارا فحسب، وانما أبا واخا وصديقا، كانت ابتسامته المقرونة بالعرعرة كلما قابلك او ناديته جزء من الروتين اليومي، ولذلك كنا حين نفتقده نذهب الى مكان ما على السائلة حيث تكون امامنا نافذة منزله لنناديه، فيخرج رأسه من النافذة مبتسما ومعرعرا، وان لم نجده نهارا بالتأكيد سنجده في المساء على الدرج التي كنا نقضي عندها ساعات قبل الذهاب إلى النوم، وأبرز ما فيها ضحكات عبد الله وعرعراته العظمى..

كنا قلة الذين قررنا البقاء في الحارة لمدة شهر بعد اندلاع الحرب، وكان الشواحي ابرزنا، فقد كان لا يطيق مغادرة الحارة نازحا، وكان مثلنا على أمل بقرب توقف الحرب.

عندما زاد قصف الطيران خلال الأيام الاخيرة من بقاءنا في الحارة، كان الشواحي عقب كل غارة يتصل بي مطمئنا، وفي اخر ليلة قضيناها في الحارة، وكانت هي الليلة الاطول والاسوء، فقد تجاوزت الغارات على الامن المركزي والقصر الجمهوري العشر غارات، ولم يبقى على نوافذ منازلنا زجاج إلا وطعفره الضغط الناجم عن الغارات إلى حبات صغيرة، كما تطعفر عند انبلاج الفجر اخر الصامدين في الحارة، ليلتها قال لي الشواحي على الهاتف: البقاء لم يعد ممكنا، علينا انقاذ انفسنا وأسرنا، خاتما المكالمة بعرعرة مدوية للحرب وامرائها..

في ساعات الصباح الاولى غادرنا جميعا راجلين باتجاه جولة القصر، شاهدنا ابواب المحلات التجارية مفتوحة ومهمشة، وقد اصبح كثير من محتوياتها في الشارع جراء عنف الغارات الليلية، مرينا بصعوبة على حطام زجاج وبضائع المؤسسة الاقتصادية، غادرنا ولم نأخذ معنا غير بعض الملابس والمقتنيات، فقد كنا على امل بأن يتوقف القصف قريبا، خاصة بعد الاعلان عن انتهاء عاصفة الحزم وبدء عاصفة الأمل، لكن الامل تلاشى والحرب طالت وها هي السنة التاسعة على الابواب، وخلال تلك السنوات فقدنا أحبة كثر، أخرهم أحبهم وأكثرهم بشاشة وقربا من الجميع عبد الله الشواحي..

نزحت إلى قريتي في القبيطة، ونزح الشواحي إلى عدن، وظلينا على أمل بأن نلتقي مجددا في حارتنا، لكن الحرب طالت وتداعياتها اشغلت الجميع وجعلت كل واحد مهموما بالمشاكل اليومية التي يواجهها، وابعدته عن السؤال عن احبته وجيرانه السابقين.

كان أخر اتصال لي بعبد الله الشواحي في سبتمبر 2021، وكانت نبرات صوته تشي بأن الحرب اثقلت عليه كثيرا، لكني لمست اشتياقا بداخله للعودة إلى منزله في تعز.

الشواحي كان موظفا في كهرباء تعز، وكان الجميع إدارة وموظفين ومتعاقدين يعرفونه تمام المعرفة بابتسامته الدائمة المقرونة بعرعراته المشهورة التي تساوي بين الجميع، تماما كما نعرفه نحن جيرانه وقاطني حارته.

قدم الشواحي إلى مدينة تعز في العام 1986 ضمن النازحين الذين اجبرتهم أحداث 13 يناير على النزوح القسري، ولم يعد بعد الوحدة إلى مسقط رأسه في لودر بأبين، مفضلا البقاء في تعز التي أحب العيش فيها، بل انه لم يكن يفكر بمغادرتها..

بوفاة عبد الله الشواحي أشعر ان بصيص الامل بالعودة إلى حارتي في تعز قد تبدد، فلم يعد ما يغري للعودة بعد ان أصبحت بدون عبد الله الشواحي..

الخلود والرحمة والسكينة لروح عبد الله الشواحي.

زر الذهاب إلى الأعلى