فضاء حر

عندما كان.. وبعدما صار..!

يمنات

ماجد زايد

بعد أن غادر من جحيم الوطن، الى روضة قطر، -بحسب توصيفاته الأدبية- كتب أحمد الشلفي ديوانه الشهير “الخروج من الجنة”، كان في حقيقة القول خروجًا من بلاد الجحيم، وإنتقالًا الى جنة النعيم، لكنه يخجل من تعابير شعوره الحقيقي تجاه حياته الماضية، الحياة المحفورة في أعماقه وتفاصيله وكل خيالاته عنها وعن ذكرياتها..!

في صنعاء، إبان حكم صالح كان الشلفي معلقًا بكيمرته العملاقة وبدلته الرثة وميكرفونه المألوف في كل مكان، يتنقل من شارع الى أخر، ومن فعالية الى فعالية أخرى، ومن كل حدث الى كل مناسبة، كانت الشمس تأكل من روحه، والإرهاق يغشى ملامحه، والشغف يملأ تنقلاته وحضوره، كان يبدو موظفًا نشيطًا يعمل براتبه المحدود، تمامًا كبقية زملاءه المراسلين والإعلاميين..

ذات يوم ركب معنا باص صغير من شارع العدل الى ميدان التحرير، كان الجميع يعرفونه في الطرقات وعلى وسائل المواصلات، كان أحمد لا يبالي أيضًا بشهرته وواقعيتها في عيون الناس، كان قد تجاوز مرحلة الإفتتان بالظهور والإغراء بالشهرة، كان لا يبالي بهما، وأمامها يبقى مُنصبًا ومركزًا على عمله وكسب رزقه والإعتناء بإسرته، وهذا بحد ذاته يكفي كغاية وجودية لمعظم البشر البسطاء في عالمنا اليمني، في ذلك اليوم حين ركب معنا باص صغير ومزدحم كان يشبهنا ويشبه حياتنا وما نحن فيه، كان موظفًا يحترم من حوله، ومن هم في بيئته، ومقابلهما لا يبالي بأهداف الكبار في السياسة والإعلام وتعقيداتهما، كنا متزاحمون في الجلوس، ولكن سعة القلوب تكفي لتجعل حياتنا مع بعضنا أفضل بكثير مما قد تصنعه الثروات البعيدة، يومها نزل الشلفي من الباص، وأدخل يده في جيبه وأخرج عملات معدنية، حاسب السائق ثلاثين ريالًا ثم غادر، أخرجها من جيبة كأنها لا شيء من بساطة الحياة وثمنها القليل، كان الحياة آنذاك بتعقيداتها تمضي وتسير على عادتها والناس فيها يملكون خدماتهم بأقل ما يتصوره إحتياج البشري هنا..

أحمد الشلفي، كان شخصًا محترمًا ومتواضعًا وقلبًا طيبًا، كان واحدًا منا رغم شهرته وعالميته، كان يمنيًا ينصب عرقًا في ضوء الشمس، ويكيف كل يوم مع غروب الشمس، وبعدهما يستلقي بنوم عينيه مع الثانية الأولى لوضع رأسه على وسادته، كان يكافح كل صباح وكل مساء، ويسير في الشوارع بين الناس، ويتعرف على مقاهي المدينة وتجاذباته الحية والموفورة بالمتعة والسعادة، كان أحمد مراسلًا شجاعًا وجريئًا، فصيحًا ولبقًا ويعرف ماذا بقول، كان أكثر دهاءًا من مديره النحيل والمتلكئ بالحديث، سعيد ثابت المدير الذي لا يمكنه التفوق على موظفيه بكفاءته وحضوره، وأمامهم ظل في منصبه ومكانته وحدوده حتى اليوم، أحمد تجاوزه وعبر الحدود بكفاءته ونبوغه، لقد أخذوا الرجل الصحيح، وعرفوا بالفعل من يختارون، لقد غيروا عنا شكله، والبسوه الكثير من البدلات الأنيقات، ووضعوا على وجهه الكثير من الأدهنة والمكملات، وصنعوا منه كائنًا لخدمتهم وتنفيذ مخططاتهم فينا، لم يعد الشلفي مندمجًا وشخصًا عضويًا في مجتمعه الذي خرج منه، لقد بروزوه وحنطوه وأقنعوه بممارسة الهذيان المدلل نثريًا كأنه الفرزدق وأبن جرير، لا أدري كيف أقنعوه بأنه شاعر مرهف الأحاسيس؟! ولا أدري أيضًا لماذا يريد تحقيق ذاته كشاعر وأديب بالرغم ماقد وصل إليه؟! هكذا الإنسان دائمًا، لا يقتنع بما بين يديه، ومعها يريد بقية الأشياء، لإبراز الذات في مكانه وتخيلاته، لقد صار أحمد الشلفي مديرًا مهمًا في قناة الجزيرة، لقد جعلوه مدير ملفنا نحن، بعدها أسس قناته الخاصة، وفتح مواقعه التابعه، وشكل الفرق والموظفين، لقد صار هامورًا كبيرًا في الإعلام والسياسة، لقد صنع ذاته وحضوره وعالميته وثراءه ومظهره الأنيق، لكنه تغير عنا كثيّرًا، لغته في الحديث صارت مهزوزه، حضوره أصبح ركيك، واقعيته صارت غائبة، يحدث هذا وهو في كامل أناقته ومسحوقاته ولمعانه، حتى الناس الذين عرفوه ذهبوا عنه، تجاهلوه وتناسوه، ولم يعودوا يتذكروه، لم يعد واحدًا منهم يعرف ماذا صار أحمد الشلفي وأين ذهب، لقد صار بعيدًا بقدر ما يملكه من بدلات جديدة وربطات ملونة، هي خياران متناقضان في الحياة، إما حب الناس وحضورك فيهم، وأما النسيان مع الكثير من المال والمكائن والبدلات، وأحمد إختار المادة والأناقة، وترك الناس والحياة القديمة..

ويا له من أسف..!

واليوم، أحمد ااشلفي، ينتقد ماضيه بكل تفاصيله..! لكنني لا أظن أنه ينكر سعادته الماضية، ومتعته بالعيش في محيطه وناسه ومحبيه، لا أعتقد أنه سينكر جماليات الحياة فيما مضى، بالرغم من شقاءه المادي آنذاك، الاّ أنه يعيّ ما حدث له وكيف صنعه بيديه، السعادة والبساطة والأمان هي ثمن ما إشتروه منه، وهو يعرف هذا جيدًا، حتى أنه لا ينكر ماذا كان وكيف أصبح، لقد صار شاعرًا يشبه النبلاء المفتونون بحضور العبارات المرهفة والرشيقة والمتناقضة، لكنه يحاول أن يصبح كل شيء، ليخفي حنينه لماضيه وحريته فيما كان، لكنه لا يجرؤ على وصف ما قد قبض ثمنه وباعه بإرادته الكاملة، لمشتري يملك الكثير من المال، ولا زال الى اليوم يشتري أخرين بثمن بخس، هو ذات الحنفي الذي يصرف الأموال لأحمد وثلته، يصرفها أيضًا للأخ حنفي وزغلول والحـ وثي ومتعاونيه، المال ذات المال، لكن الغايات تتواجه، أحمد يلعب في كفة خارجية، والأخرين هنا يلعبون في زاوية داخلية، ذات الطرفان يحققان هدفًا يتلاقى في النهاية، لتفرز المعادلة نتيجة هلامية من قناعة الحفاظ على الكرسي الصغير جدًا. الكرسي الذي يشترون من أجله كل الرقاب، ويدمرون في سبيله كل البلاد، ويحققون لأجله الديمومة والبقاء للملك السلطان، الجميع بعد شراءهم يصيرون عبيدًا للسلطان الثري جدًا، ومن أجله ستتشكل الممالك الأخرى وستصبح فكرة الجمهورية خيانة علنية لـ سعادة ملك أصغر دولة في العالم، الدولة التي تملك كرسيًا ملكيًا أكبر بكثير من حدود الجغرافيا التي يحكمها..!

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520.

زر الذهاب إلى الأعلى